بعد إعلان سلطنة عُمان في بداية هذا العام عن عدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها الخاصة بإصدار العملة الخليجية الموحدة في بداية عام 2010 كما هو مقرر، اتخذت دولة الكويت في الشهر الماضي خطوة أخرى بفك ارتباط عملتها بالدولار، والذي اعتمد كمثبت مشترك للعملات الخليجية الست، وهو الإجراء الذي اعتبر في حينه خطوة مهمة على طريق إصدار العملة الموحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي. ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني باختصار إعادة مراجعة إحدى أهم الركائز الأساسية التي تؤسس لإطلاق العملة الموحدة، فمن دون المثبت المشترك لا يمكن المضي قدماً في هذا المشروع الحيوي، فالدينار الكويتي سمح له ضمن الاتفاق السابق بالتذبذب بنسبة 3.5% تجاه الدولار، الذي ترتبط به بقية العملات الخليجية وبحد أقصى يصل إلى 0.310 وحد أدنى يبلغ 0.289 مقابل 0.229 في عام 2003 عندما انضمت الكويت إلى المجموعة الخليجية وربطت عملتها بالدولار. عند عملية فك الارتباط انخفض الدينار الكويتي إلى 0.288 وهي نسبة بسيطة، لم تؤدِّ إلى تغير مهم في سعر صرف الدينار الكويتي سواء تجاه العملات الخليجية أو تجاه العملات الرئيسية في العالم. وعليه يمكن اعتبار الخطوة الكويتية خطوة احترازية مبنية على أساس توقعات قوية تشير إلى إمكانية حدوث انخفاضات إضافية في قيمة العملة الأميركية، فالاقتصاد الأميركي يعاني من العديد من الظواهر السلبية، كاستمرار ارتفاع العجز التجاري وزيادة الإنفاق غير المنتج بسبب الالتزامات الخارجية والركود، الذي بدأ يلقي بظلاله على القطاع العقاري، وما يمكن أن يجر وراءه من عواقب سلبية، بالإضافة إلى ارتفاع عجز الميزانية السنوية إلى 200 مليار دولار في العام الجاري2007، مما حدا بمؤسسة "مورغان ستانلي" العالمية المرموقة إلى توجيه دعوة لدول المجلس لتحذو حذو الكويت وفك ارتباط عملاتها بالدولار. لذلك، فإن الإجراء الكويتي هو إجراء استباقي، إلا أنه حمل بين طياته شكوكاً قويةً حول إمكانية إصدار العملة الخليجية الموحدة في عام 2010، إذ أن هذا الموعد ربما يؤجل بانتظار تطورات نقدية ومالية محلية وعالمية جديدة. الكويت حالها حال البلدان الأخرى في العالم عانت في السنتين الماضيتين من ارتفاع معدلات التضخم الناجم عن عدد من العوامل، والتي يأتي من ضمنها ضعف الدولار في البلدان المرتبطة به، وارتفاع أسعار الطاقة والطفرة العقارية وارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل عام، حيث كان بإمكان الكويت التخفيف من حدة معدل التضخم باستغلال عوائد النفط الضخمة، ومن دون تعريض مشروع الاتحاد النقدي الخليجي لتحديات جديدة. الآن هناك خياران محتملان سيترتبان على هذه الخطوة، الأول يكمن في استمرار الدول الأربع في البرنامج المحدد لإصدار العملة الخليجية الموحدة في موعدها، خصوصاً وأن هناك الكثير من العوامل المشتركة، التي يمكن أن تساهم في نجاح هذا التوجه، في هذه الحالة ستنضم الكويت بصورة فورية، فالكويت تعتبر داعماً كبيراً للعمل المشترك، في الوقت الذي ستلحق بها عُمان في غضون خمس سنوات، هذا الأسلوب متبع وناجح في الاتحاد الأوروبي الذي يتكون من27 دولة، 12 منها فقط منضمة للعملة الموحدة "اليورو"، ويتوقع أن تنضم دول أخرى في شهر يناير القادم 2008، على أن تتبعها بقية البلدان متى ما كانت مهيأة لهذا الانضمام. الخيار الآخر هو تأجيل موعد إطلاق العملة الخليجية الموحدة، ما يعني وقف العمل الاقتصادي الخليجي عند مستواه الحالي، فمن دون العملة الموحدة لا يمكن فتح الأسواق وحرية تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال وتوحيد السياسات الاقتصادية، وفي ذلك خسارة كبيرة للاقتصاديات الخليجية ككل. العمل المشترك تترتب عليه انعكاسات ليست بقليلة معظمها إيجابي وبعضها يتطلب التأقلم والتنازل عن بعض الصلاحيات، وهذه مسألة مفهومة في كافة التكتلات الاقتصادية في العالم، المهم أن يتم التعامل معها بما يتناسب والتغيرات الاقتصادية السريعة الجارية في العالم. البلدان الخليجية، كما أثبتت في السابق، تملك قدرات فائقة تتيح لها تجاوز الصعوبات وحلها، بدليل نمو اقتصادياتها بصورة سريعة في العقدين الماضيين رغم الحروب والأزمات التي مرت بها منطقة الخليج، مما يدعو للتفاؤل في قدرتها على تجاوز الصعوبات الخاصة بإصدار العملة الموحدة، والتي ستكون لها انعكاسات إيجابية على الاقتصاديات الخليجية دون استثناء.