في الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفييتي السابق نصير البسطاء والعمال، جاءت المطالبة الأميركية في عام 1977 بدعوة تتوازى مع توجهات الدولة الضد، فولدت الدعوة لحماية حقوق الإنسان في العالم، ومنذ ذلك الحين مارست الولايات المتحدة أنشطة عدة في هذا الصدد. وبعد أحداث سبتمبر، نحت أميركا منحىً مختلفاً رغم أن دعوة حقوق الإنسان قائمة، لكنها ارتدت مسوحاً مختلفة، وبعد حربها في العراق وجهت للكل دعوات عامة، أُسسها نبيلة لكن هدفها مشكوك في نواياه مهما كانت المبررات. وبالفعل جاءت جمعيات حقوق الإنسان ومراكزها لتهتم بشبهات انتهاك هذه الحقوق، فقد تصدرت النساء منصات المجالس النيابية، وصار السفور والزينة عنواناً لها، لتثبت أنها متحررة، وأن حقوقها مصونة ومحترمة، وأعطيت الأقليات الكثير من الصلاحيات وتجاوزتها ربما، وانحصرت حقوق الإنسان في تحرير المرأة، وفي حل مشاكل الأقليات الوافدة والعمالة، وأشكال أخرى من القضايا المنظورة لدى جهات الشرطة والأمن. فخطط الإصلاح، التي كانت تنادي بها جمعيات حقوق الإنسان العالمية في دول العالم الثالث، لم يعد لها متابع أو مهتم. فأين هي حقوق الإنسان من قضايا التنمية البشرية ومن النسق التعليمي الفارغ، المقدم للمواطن العربي من الخليج إلى المحيط؟ وأين هو الإبداع الذي يقود إلى تقدم مهم قادر على اجتراح الكثير من المستحيلات الآنية؟ وماذا عن معدلات البطالة في العالم العربي التي تفوق ثلاثة أضعاف معدلاتها في أي مكان في العالم، حسب تقرير التنمية الإنسانية العربية؟ فهذه البطالة سبب في ارتفاع نسبة الجريمة والعنف والفقر والظلم الذي يشعر به العاطل عن العمل حين يقارن بغيره. ماذا قدمت جمعيات حقوق الإنسان، وهل كانت خطتها مستهدفة الإنسان بالفعل، أم لبرامجها معايير خاصة تتشكل حسب ما تراه من مصالح ذاتية أو من تنفيذ سياسات الدولة وإن تصادمت مع الصالح العام؟ فاللافتة المرفوعة المشهرة لجمعية لها هذا الاسم، تحولت إلى أضواء براقة دون عمل حقيقي أو استراتيجية يمكن أن الإنسان هدفها أولاً وآخراً. والأسوأ من هذا، أن تعبير حقوق إنسان صار مثاراً للسخرية والتهكم والتحسر أحياناً، لأن الفعل غائب، والعمى يتجاوز ما يحدث أمام الشهود أصحاب البصر والبصيرة. منوطة بهذه الجمعيات أدوار ريادية تستدعي أفعالاً على مستوى الاسم والذاكرة، ولابد لها أن تنتهج نهجاً صريحاً وواضحاً محدد الطرق والمعالم، لأن الوقت يمضي دون أن تكون للإنسان مكانته الحقيقية، دون توصيات خارجية على أي مقعد لابد أن يجلس الإنسان البسيط في المسرح الكبير. فالإنسان استثمار لا ينضب، ولا يقل سعره أو يضارب عليه، إنه النهضة الحقيقية التي يعول عليها لتكون لأقدامنا مواقعها في طريق الحياة السريع.