شيئاً فشيئاً يتأكد أن السبب الحقيقي للحرب في العراق كان أكبر وأبعد من العراق نفسه، بل هو مشروع "المحافظين الجدد" لصياغة شرق أوسط "جديد" أو "كبير" أو "موسع". لم يعد مقنعاً تبريرات من قبيل أن الحرب شنت للقضاء على الديكتاتورية، وتدمير أسلحة الدمار الشامل، والعلاقة بين صدام حسين و"القاعدة". تلك الحرب التي يذهب في وصفها اليوم حتى استراتيجيون من حزب الرئيس "الجمهوري" نفسه من أمثال "هاس" قائلين إنها: "حرب اختيار وليست حرب ضرورة". هذا في حين ظل الرئيس بوش وطاقمه السياسي والعسكري، يصران على تكرار أنها كانت حرباً ضرورية مفروضة، وتدخل ضمن مواجهة واشنطن المفتوحة والمستمرة منذ عام 2001 ضد الإرهاب، دون أن نفهم أو نستوعب مداها وأبعادها، وخط نهايتها المحتمل، سوى أن نسمع تكراراً مستمراً، إلى درجة بتنا نحفظ فصولها عن ظهر غيب، بأنها حرب "الخير" ضد "الشر". وآخر فصول الربط بين حرب العراق والحرب على الإرهاب هو ما ذكره قبل أسبوعين الرئيس بوش من أن بن لادن كان قد أعطى تعليمات من "القاعدة" إلى الزرقاوي لتدريب وتأهيل إرهابيين لتنفيذ أعمال إرهابية ضد الولايات المتحدة الأميركية. وقد جاء ذلك وسط انتقادات من مرشحين "ديمقراطيين" مثل السيناتور السابق "جون أدواردز" ممن يتهمون بوش باستغلال دواعي الخوف لإبقاء الأميركيين أسرى للهاجس الأمني، وهو ما كان قد نجح في استغلاله أصلاً في حملته الانتخابية للرئاسة عام 2004 ضد منافسه "الديمقراطي" جون كيري. حيث برز آنذاك أكثر إقناعاً للأميركيين باستعراض قدراته وجرأته في اتخاذ قرارات لمكافحة الإرهابيين وتعقبهم وجعل أميركا أكثر أمناً. تظهر بين الحين والآخر كتب ودراسات وتقارير رسمية أو من مراكز دراسات متخصصة في واشنطن وغيرها من العواصم الغربية، وخاصة لندن، عن كيفية اتخاذ قرار الحرب في واشنطن. وكان الكاتب الصحفي الأميركي "بوب وودورد" كشف في كتابه: "حالة إنكار" الكثير من التفاصيل عن آلية اتخاذ الحرب. كما أشرنا أيضاً في مقال سابق في "الاتحاد" إلى دراسة "تشاتم هاوس" التي تحدثت عن حالة ومستقبل العراق المتشظي، الذي تجري فيه عدة حروب معاً ويتحول إلى دولة فاشلة. والحقيقة أنه في قرارات مهمة وخطيرة كشن الحروب خاصة يعول كثيراً صناع القرار على تقارير أجهزة الاستخبارات لمساعدتهم في صياغة واتخاذ القرار المناسب بخصوص شن الحرب من عدمه، نظراً للتكلفة الكبيرة والخسائر التي قد تنجم عن ذلك القرار المصيري. ولكنها قد تكون المرة الأولى التي ترسم فيها أجهزة استخبارات دولة عظمى صورة قاتمة وتضع سيناريوهات سلبية بالغة التشاؤم أمام صناع القرار ومع ذلك يصر الرئيس على الذهاب إلى ساحة الحرب، خاصة وأن جميع الأهداف التي قدمت كمبرر للحرب تم التحذير منها في تقرير الاستخبارات، ومع ذلك كان القرار قد اتخذ على رغم جبل من الأدلة والتقارير التي تنصح بعدم الذهاب إلى الحرب من الأساس. ولعل آخر التقارير الاستخبارية التي كشفت عنها الأسبوع الماضي لجنة الاستخبارات الفرعية في الكونجرس الأميركي تقرير صدر عن مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي في يناير 2003 أي قبل شهرين من الهجوم على العراق، والذي دق جرس الإنذار من مخاطر شن الحرب. ويلخص رئيس اللجنة الفرعية للاستخبارات في مجلس النواب "التقرير- التحذير" مشيراً إلى أنه أكد بوضوح أن الغزو الأميركي سيؤدي إلى عدم استقرار في العراق، الذي سيتم استغلاله من إيران وإرهابيي "القاعدة"... ولكن الإدارة أخفت عن الشعب الأميركي تلك الحقائق الواضحة من أن الحرب ستسمح لـ"القاعدة" بالتمركز في العراق وتعطيها الفرصة التي لم تكن موجودة قبل الغزو لضرب الأميركيين. كما تنبأ التقرير بأن إقامة نظام ديمقراطي في العراق ستشكل "تحدياً كبيراً وصعباً، وسيستغرق فترة طويلة لأن الثقافة العراقية تفتقر إلى الثقافة الديمقراطية ومكوناتها". مما يعني أن الحرب في تجلياتها الكبرى ستعوِّم وتقوي خصوم واشنطن كـ"القاعدة" وإيران. ومع ذلك أخذ الرئيس بوش قرار الحرب ليس فقط غير عابئ بالتحذيرات الواضحة فقط استجابة لحلم "المحافظين الجدد" ونظرتهم للعراق على أنه سيكون رافعة لذلك المشروع الساعي إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط الواسع وتطويعه من مصالح وضمان تدفق النفط، ومحاولة تعويم إسرائيل في المنطقة... الخ، وصولاً إلى تهديد وترهيب الخصوم في محور التشدد وإدخالهم إلى بيت الطاعة الأميركي طائعين أو كارهين. ولأن الحرب كانت قراراً غير مدروس، فلا عجب إن انتهت إلى النتائج الكارثية التي يراها الجميع الآن.