غادرت "كلثوما موسى" إلى دارها منذ عدة أسابيع وهي تحمل وليدها على ظهرها وتمسك بيدها الأخرى يد أخيها الأصغر. كانت "كلثوما" تعيش في معسكر للنازحين تتلقى فيه مساعدات وآثرت أن تتركه متوجهة إلى منطقة يسيطر عليها المتمردون، لا تحصل فيها على أي مساعدات، وهي منطقة مُعَلّمة على الخرائط على أنها منطقة "محظور الذهاب إليها"، يخشى جنود الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة أن يطأوها. وموطن "كلثوما" يسمى"بورنيو"، وهي قرية من بين سلسلة قرى تقع في جبال "عين سيرو" كانت قد انطلقت منها شرارة التمرد في منطقة دارفور عام 2003، وتم الانتقام منها وتدميرها بواسطة القوات الحكومة وقوات "الجنجويد"، التي شنت عليها هجوماً كاسحاً أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من السكان كان من بينهم والد "كلثوما" وعمها وأخواها، أما هي فقد تم اختطافها وتعرضت للجلد بالسياط قبل أن تنجح في الهروب بطريقة ما. بعد أربع سنوات على هذا التاريخ، تحولت "بورنيو" إلى قرية لم يعد يسكنها سوى الأشباح، حيث لم تتم إعادة بنائها، مما جعل "كلثوما" تفضل الذهاب إلى قرية "عين سيرو" المجاورة، حيث بنت لها كوخاً من أنقاض القرية القديمة للعيش فيه وتدبير حياتها بدلاً من البقاء في ذلك المعسكر، الذي كانت تقيم فيه "معسكر كساب"، الذي يبعد 30 ميلاً والذي لم تكن تشعر فيه بالخوف، بل كانت تخشى من تعرضها للاغتصاب على أيدي "الجنجويد"، وذلك في كل مرة تغامر فيها بالخروج من المعسكر لسبب أو لآخر. الحياة في "عين سيرو" جيدة كما أخبرتني "كلثوما" حيث يتناوب على حراسة القرية رجال من "جيش تحرير السودان"، يحمون المدنيين ويعاملونهم باحترام، وذلك بعد أن تمت مطاردة "مينّي منّاوي" وفصيله الذي كان يسيء معاملة السكان المحليين، ودفعه إلى خارج المنطقة على أيدي رفاقه في السلاح الذين انقلبوا عليه بعد أن وقع اتفاقية سلام مع الحكومة السودانية في شهر مايو الماضي. وإدارة بوش ترفض الاعتراف بأنها قد ارتكبت خطأً عندما دعمت "مناوي" الموقّع الوحيد على اتفاقية السلام مع الحكومة السودانية، وهي الاتفاقية التي ترفضها الغالبية العظمى من الدارفوريين. ويذكر هنا أن الناشطين في مجال حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، لا زالوا يصرون على استخدام كلمة "إبادة جماعية" لتوصيف الوضع في دارفور، على رغم أن الحياة هناك، وخصوصاً في تلك المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المعارضة للحكومة، والتي ترفض اتفاقية السلام، قد بدأت تعود إلى الوضع الطبيعي بعد كل ما شاهدته من دمار وموت -وهي حقيقة تدركها "كلثوما" وأمثالها ولا ندركه نحن هنا. منذ مدة، شن الرئيس بوش هجوماً كلامياً واسع النطاق، لا يقوم على معلومات سليمة، كما يجيء في توقيت غير مناسب، ضد ما أطلق عليه "الفصائل غير الموقعة"، غاضاً الطرف عن الفظائع التي ارتكبها رجال "مناوي"، ومضخماً إلى حد كبير من أعمال العنف التي قام بها زعماء الفصائل التي رفضت الانضمام إلى "مناوي" في توقيع اتفاقية السلام مع حكومة الخرطوم التي لم ينسَ بوش أن يتهمها في سياق ذلك، بأنها غير قادرة على السيطرة على الأوضاع في الإقليم. ومؤخراً قام الرئيس بوش بتشديد العقوبات على السودان من خلال تجميد موجودات 30 شركة سودانية، وأموال ثلاث شخصيات من بينهم قائد فصيل متمرد معارض لاتفاق السلام. وفي محاولتها لنفى الاتهام، الذي وجهه لها بوش بأنها غير قادرة على السيطرة على مجريات الأمور في دارفور، أقدمت الحكومة السودانية بعد خطابه بأربعة أيام على قصف مواقع المتمردين، بينما كانوا يعقدون اجتماعاً لتكوين جبهة موحدة، وذلك باستخدام طائرات عمودية تطير على ارتفاعات منخفضة وهو ما أدى إلى مصرع رجلين من المدنيين، بعد أن كانت تشن هجماتها الجوية من قبل بواسطة طائرات "أنتونوف" روسية قديمة الطراز ومن ارتفاعات عالية، مما كان يؤدي إلى عدم إصابتها للهدف. ومثل هذا الهجوم الكلامي الذي شنه بوش، والذي لا يستند إلى معلومات دقيقة كما قلت، يكشف الخطورة التي قد تنطوي عليها تصريحات المسؤولين الأميركيين -وعلى رأسهم الرئيس بالطبع- الذين يستقون معلوماتهم أساساً من الناشطين في الشأن الدارفوري، والذين لا توجد لديهم فكرة دقيقة عن الأوضاع هناك، وينظرون إلى الإقليم بمنظور واحد، وهو أنه أرض المعاناة والموت والضحايا، ولا شيء آخر. إن هذه الصورة، هي التي دفعت "بعض" الساسة الأميركيين، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، جوزيف بايدن، السيناتور "الجمهوري" عن ولاية ديلاور، إلى الاعتقاد -كما عبر عن ذلك بنفسه- بأن الحل في دارفور يكمن في قيام الولايات المتحدة بتنفيذ "ضربة عسكرية جراحية". ومثل تلك الصورة دفعت "البعض الآخر" إلى التركيز على مسألة إرسال قوات أممية إلى الإقليم باعتبارها أولوية متقدمة. بالطبع يمكن تقديم ما يكفي من أدلة للتدليل على صواب وضع قوات الاتحاد الأفريقي الموجودة على الأرض في الإقليم تحت قيادة أممية، ولكن حدة الحملة الداعية إلى ذلك كان لها أثر عكسي، حيث قادت بوش إلى وضع حد زمني نهائي لإجراء محادثات سلام بشأن دارفور العام الماضي، وذلك بعد أن أعلن نائب الرئيس السوداني "علي عثمان محمد طه" أن الحكومة السودانية ستقبل بقوات أممية إذا ما وافق المتمردون على الانضمام إلى اتفاقية سلام مع الحكومة. وبعد أن أعلن نائب الرئيس السوداني ذلك، شغلت حكومة الخرطوم الغرب وجعلته يدخل معها في مواجهات عقيمة استمرت شهوراً، مما أتاح الفرصة للمتشددين في النظام للمضي قدماً في عملهم في دارفور، وتثبيت كوادرهم هناك، وشراء زعماء فصائل التمرد الضعيفة والمعزولة بزعم صنع السلام. وهكذا فإن تعقيدات دارفور وأوضاعها التي لا تستقر على حال، لا يمكن أن تُفهم من بعيد. لقد زرت دارفور ثلاث مرات حتى الآن، وبقيت في كل مرة شهراً، وفي كل مرة كنت أفاجأ بما أراه، والذي كان يختلف عن المرتين السابقتين. وهذا الشعور بالمفاجأة عرفته كذلك المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان على مدى السنوات الخمس الماضية، حيث لم تكن تلك المنظمات، تتخيل أن تقوم الحكومة السودانية المسلمة باستخدام كل تلك القوة ضد مواطنيها المسلمين، ولم يتوقع سوى عدد قليل منها أن تمتد الاضطرابات خارج قلب الإقليم، أو أن يكون قادة التمرد على ذلك المستوى من الإجرام، التي كشفت عنه أعمالهم الوحشية، بيد أنه يجب القول إن المفاجآت في دارفور لم تكن كلها غير سارة. ففي زيارتي الأخيرة، كان أهالي دارفور في منطقة "عين سيرو" يلملمون شتات حياتهم مجدداً، دون أي مساعدة من المجتمع الدولي. فقد شاهدت أطفالاً يحتفلون بانتهاء العام الدراسي، كما شاهدت مسرحية تتحدي فيها فتاة رغبة أهلها وتتزوج بمن تحبه وسط شعور غامر بالبهجة من قبل المشاهدين الذين كانوا من أولياء الأمور كما شاهدت أشياء أخرى تدعو للتفاؤل. والذي حدث هناك أنه بعد أن تخلص بعض زعماء الفصائل من فصيل "مناوي" ووحشيته، بدأوا يحاولون ترتيب البيت من الداخل، وهو ما دفعهم إلى إلغاء الضرائب على الأسواق وعلى الحيوانات بل على الماء، كما أصدروا تعليماتهم بعدم مهاجمة سيارات الإغاثة وأوقفوا محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية. وإذا ما كان يمكن لقصة "كلثوما موسى" أن تقول لنا أي شيء، فإن هذا الشيء في الحقيقة، كان موضعاً للشك طيلة الوقت من قبل المراقبين للوضع في درافور، وهو أن دارفور سيتم إنقاذها على أيدي الدارفوريين، وأنهم سيقومون بذلك تدريجياً وعلى نحو بطيء، ومن دون مساعدة منا على الرغم من أي خيارات أخرى قد يقع عليها اختيارنا في نهاية المطاف. جولي فلينت ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسلة "لوس أنجلوس تايمز" في دارفور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"