حتى وقت قريب، كان الكثيرون في الغرب يصفون رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بمنقذ أفريقيا الجديد، فهو الزعيم الأوروبي الذي يحث البلدان الغنية الأخرى على مساعدة القارة الفقيرة والتي كان يقول إن أوضاعها "وصمة عار على جبين العالم". لكن بينما يستعد بلير لإنهاء زيارته الأخيرة لأفريقيا، كرئيس للوزراء، هذا الأسبوع، يواجه انتقادات متزايدة من قبل منظمات المساعدات الدولية والحكومات الأفريقية التي ترى أن المساعدات التي طالما وعدت بها مجموعة الثماني لم ترَ النور. يقول بلير إن جولته الأفريقية ترمي إلى بناء زخم قبيل انعقاد قمة مجموعة الثماني المرتقبة الأسبوع المقبل في ألمانيا، حيث من المنتظر أن يحث مجدداً الزعماء الآخرين في المجموعة على الوفاء بما تعهدوا به في قمة 2005. والحال أنها تظهر أيضاً الطابع المعقد لعلاقة مجموعة الثماني مع القارة السمراء، إضافة إلى الريبة التي ينظر بها كثير من الأفارقة إلى التدخلات الغربية. وفي هذا الإطار، يقول "أديتي شارما"، رئيس حملة محاربة الإيدز في منظمة "أكشن إيد" غير الربحية: "لقد ضمنت زعامة بلير الشخصية بالفعل مكانة مهمة لأفريقيا ضمن أولويات أجندة مجموعة الثماني"، مضيفاً "أما اليوم، وبعد تخلفها عن الوفاء بالعديد من الوعود والتعهدات، فقد بدأ الأفارقة يفقدون الثقة فيها". خلال الجولة الأفريقية التي قام بها هذا الأسبوع، زار بلير ليبيا التي أشاد فيها بتحسن العلاقات مع معمر القذافي؛ وسيراليون حيث تعهد بمنح 10 ملايين دولار لقوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي. وفي جنوب أفريقيا التقى بلير يوم الخميس مع رمز مقاومة الميز العنصري "الأبارتايد" نيلسون مانديلا، حيث دعا إلى توخي مزيد من الصرامة في التعامل مع السودان بسبب الأزمة في دارفور، وأكد على الأهمية التي أولاها لأفريقيا خلال فترة حكمه. وخلال خطاب ألقاه في جامعة جنوب أفريقيا، رأى بلير أن الغرب وأفريقيا يواجهان طريقين ممكنين إذ قال: "ثمة الطريق الذي اختارته بلدان مثل جنوب أفريقيا وغانا وتنزانيا وموزامبيق وبتسوانا، وبلدان أخرى كثيرة؛ ويقوم على تعزيز النمو الاقتصادي عبر التدبير الجيد واستئصال العنف والفساد"، مضيفاً: "أما الطريق الآخر، فهو الطريق الذي اختارته زيمبابوي والسودان، حيث التدبير السيئ والقمع والاضطهاد يدفع الاقتصاد نحو الأسفل. لقد اخترنا أن ندعم ونساعد الجيد. والتحدي المطروح أمام أفريقيا اليوم هو القضاء على السيئ". ويتوقع العديد من خبراء المساعدات الدولية أن يكرر بلير دعوته لزملائه في مجموعة الدول الثماني -وبصفة خاصة المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" التي تستضيف الأسبوع المقبل القمة السنوية للمجموعة- من أجل زيادة المساعدات المخصصة لأفريقيا. أما نشطاء محاربة الفقر، فينتقدون بلدان الثماني الكبرى ويتهمونها بالتخلف عن الوفاء بما تعهدت به خلال قمة 2005 التي استضافها بلير في "غلين إيجلز". ومن هذه الوعود، تعهد الدول الغنية بتخفيف أو إعفاء واسع النطاق للديون ومضاعفة المساعدات المخصصة لأفريقيا من 25 مليار دولار إلى 50 مليار دولار في أفق 2010. وعلى رغم تسجيل بعض التحسن، فقد استفادت 22 دولةً أفريقية من إلغاء الديون المستحقة عليها، كما تمكن نحو مليوني طفل أفريقي إضافي من الذهاب إلى المدارس، حسب منظمة "أوكسفام". إلا أن المساعدات الفعلية من مجموعة الثماني الكبرى انخفضت العام الماضي؛ كما تظهر التقديرات أن مجموعة الثماني بعيدة عن تحقيق هدف 2010 بنحو 25 مليار دولار. ويرى عدد من الخبراء أن وزير المالية غوردون براون الذي ينتظر أن يخلف بلير، سبق له أن عمل عن قرب مع رئيس الوزراء في مجال جهوده الرامية على التخفيف من وطأة الفقر؛ متوقعين أن يواصل زعامة بريطانيا بخصوص المشاكل الأفريقية. لكن الكثير من النشطاء يعتقدون أن بلير الذي سيتنحى عن رئاسة الوزراء هذا الشهر، هو أفضل من يستطيع الضغط على مجموعة الثماني. وفي هذا السياق، تقول مديرة "أوكسفام"، "باربرا ستوكينغ": "إن بريطانيا أبلت بلاءً أفضل مقارنة ببلدان مجموعة الثماني الأخرى، حيث قامت بزيادة كبيرة في المساعدات"، مضيفة: "لكن على رغم هذه الزيادة المهمة في المساعدات خلال العام الماضي، فإن بريطانيا نفسها ما زالت بعيدة عن الهدف المنشود انسجاماً مع ما تعهدت به قبل عامين. أما البلدان الأخرى، فهي بعيدة تماماً عن المسار. والواقع أنه إذا لم يضغط عليهم بلير في قمة الثماني بألمانيا، فإن تركته في أفريقيا ستكون مهددة حقاً. وبالتالي، فقبل أن يغادر السلطة، يجب على بلير أن يقنع البلدان الأخرى لمجموعة الثماني بالوفاء بما تعهدت به في 2005". كذلك لعب بلير دوراً مهماً في دفع الحكومات الأفريقية نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي، مقابل المساعدات وإعفائها من الديون. ومما يذكر هنا أن لجنة أفريقيا التي شكلها بلير كانت هي التي روجت لمفهوم "الصفقة الكبيرة" وأكسبته شعبيته الحالية. ويعني ذلك المفهوم استفادة الحكومات الأفريقية من المساعدات وتخفيف الديون أو إلغاءها، مقابل اتخاذ تدابير وخطوات للتدبير الجيد ومحاربة الفساد، مثلما حددها البنك وصندوق النقد الدوليان. وهو ما قد يعني خفض الإنفاق العمومي مثلاً، أو خصخصة الخدمات مثل الماء والكهرباء، أو تحرير التجارة. هذا، وقد أشار بعض المراقبين إلا بلدان لم يتوقف فيها بلير خلال جولته الأفريقية؛ حيث سجلوا عدم زيارته لإثيوبيا مثلاً، والتي كانت حكومتها من أقرب حلفاء بلير في أفريقيا، إلا أنها تواجه اليوم اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان. كما أحجم عن زيارة أوغندا، وكانت تعد في يوم من الأيام "حبيبة" الغرب قبل أن يقوم رئيسها منذ عامين بتعديل الدستور على نحو يجيز له البقاء في السلطة لولاية ثالثة. ستيفن هيمز ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في جوهانسبورغ- جنوب إفريقيا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"