تأخرتُ في كتابة هذه المقالة لكي أستطيع مراقبة ردود الفعل كلّها بعد إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي بمجلس الأمن. والملحوظ أنّ أسرعَ ردود الفعل السلبية على القرار الدولي رقم 1757 كانت ردة الفعل السورية، والتي تتلخَّص بأنّ القرار ينال من السيادة اللبنانية "وقد يؤدي إلى اضطرابات". نبيه بري اعتبر القرار تدويلاً، و"حزب الله" اعتبر المحكمة غير شرعية، وعون خشي من التسييس نتيجة القرار. أمّا عون وبري و"حزب الله" ولحود فهم مسؤولون منذ أكثر من سنة عن عدم إقرار المحكمة الدولية من خلال المؤسسات الدستورية اللبنانية. وقد صار هناك إجماعٌ على أنهم إنما عملوا بإشارةٍ من سوريا، وموافقةٍ ودعم من إيران. ولذلك فإنّ ردود فعلهم كانت متوقَّعة، وهي بمثابة تبرئة للذمة تُجاه سوريا إذ كأنهم يقولون: فعلْنا كلَّ ما بوسعنا، وسنظلُّ نفعل! وهكذا فإنّ المنتظر المزيد من التوتير من جانب نبيه بري وحسن نصرالله تجاه الحكومة ورئيسها، مع تجنب الهجوم على الجيش مباشرةً؛ وقد يعني ذلك المزيد من التعقيدات أمام انتخاب رئيس جديد للجمهورية. إنما المفروض الآن الالتفات إلى العمل المباشر وعلى الأرض، والذي باشرت سوريا القيام به على مسؤوليتها وبدون غطاءٍ من أحد. فيوم الجمعة (أول من أمس) تعاظمت الاشتباكات في مخيم نهر البارد ومن حوله للاجئين الفلسطينيين؛ وهي الاشتباكات التي باشر بها تنظيم ما يُسمَّى بـ"فتح الإسلام" قبل ثلاثة عشر يوماً. فهذا التنظيم الذي "انشقت" قيادتُه عن "فتح الانتفاضة" (وهي نفسُها انشقاقٌ سوريٌّ عن "فتح" عرفات عام 1983)، هو الذي بادر بالهجوم على الجيش وقوى الأمن الداخلي. والمفهوم أنّ هؤلاء يتجمعون منذ ما قبل حرب تموز (يوليو) 2006 في مخيَّمي البدّاوي ونهر البارد، ويطلقون تصريحات إعلامية متفرقة عن إرادتهم العمل من أجل تحرير فلسطين طبعاً! وقد شاركت عناصرٌ منهم في التفجيرين على مقربةٍ من "تكفيا" من قبل، وقُبض على بعضٍ منهم في حين اعترف المقبوض عليهم بأنّ رفاقهم ذهبوا إلى مخيم نهر البارد. وخُلاصة الأمر أنّه وبعد أن استنفد أنصار سوريا وحلفاؤها كلَّ الوسائل السياسية وشبه السياسية لخدمتها في قضية المحكمة، اضطرت سوريا لدفع تنظيم "فتح الإسلام" إلى الواجهة، وفي صدامٍ مباشرٍ مع الجيش وقوى الأمن. وفي هذا كلّه مخالفاتٌ للسياسات المتبعة سابقاً. فـ"فتح الإسلام" نفسها اخترعت في الأصل من أجل مُصادمة "فتح" عرفات، بينما كان التنظيم الآخر، تنظيم "عصبة الأنصار" هو الذي يتدخل لبنانياً. إنما الذي يبدو أنّ "فتح" عرفات استطاعت استيعاب "عصبة الأنصار"، وحاصرت التنظيم السوري الآخر المسمَّى "جند الشام" والموجود بمخيم عين الحلوة فقط. ولذلك ما كان هناك تنظيم مهيَّأ في هذا الظرف الطارئ غير "فتح الإسلام" الذي أعيد توجيهُهُ هذه الوجهة. إنما يبقى الأمر الغريبُ الآخَرُ بعض الشيء. فالسوريون (والجيش اللبناني أيضاً) تجنبوا التصادم منذ خروج السوريين من لبنان في ربيع عام 2005، فلماذا هذه "الكسرة" على الجيش وبشكلٍ مباشر؟ هل لأنهم اعتبروا أنّ الجيش ما عاد مطواعاً لاستمرار تعاوُنه مع حكومة السنيورة؟ أم لأنّ وكيل وزارة الخارجية الأميركية "ديفيد ولش" زار قائد الجيش قبل الاشتباكات بأسبوع ووعده بمساعدة الجيش سلاحاً وتدريباً؟! الواضح أنّ السوريين و"حزب الله" لا يريدون للجيش دوراً غير دور الحراسات خارج منطقة الجنوب، وإن انكسر الجيش في الشمال، فلن يبقى هناك وجودٌ عسكريٌّ وأمنيٌّ فاعل في سائر أنحاء لبنان (باستثناء الجنوب) إلاّ لـ"حزب الله" والسوريين. فالذي لاشكَّ فيه أنّ السوريين تحركوا الآن إظهاراً لقوتهم، وتعبيراً عن ضيقهم من الضغوط الدولية والعربية عليهم من خلال المحكمة، وغيرها من الأمور. وهم تحركوا في منطقةٍ لا يملكُ فيها "حزب الله" سلاحاً ولا رجالاً. ثم إنهم تحركوا في أحشاء الفلسطينيين المتعبين، والذين تتميز "فتح" من بينهم بمخاصمة سوريا. وتحركوا أخيراً في قلب المناطق السُّنية البحتة، الموالية لآل الحريري؛ لكنْ التي فيها عناصر سلفية، وأخرى سياسية إسلامية ومسيحية دأب السوريون والإيرانيون منذ حرب تموز على إعطائها فلوساً وسلاحاً لتكون مستعدةً لـ"تمرد" إن ظهرت ضرورةٌ لذلك بتشكيل حكومةٍ ثانيةٍ على مشارف ذهاب لحود من رئاسة الجمهورية. وهكذا في الوقت الذي يمضي فيه "الأمليون" و"الحزب اللاهيون" والعونيون في التصعيد السياسي، والذي قد يصل إلى الاتفاق مع لحود على تشكيل حكومة ثانية؛ فإنّ السوريين يعلنون "التمرد" من خلال الفلسطينيين الموالين لهم، ثم يمضون قدُماً إن تأخر الجيش في الحسْم بحيث قد يظهر بعضُ السياسيين السُّنة مثل الرئيس عمر كرامي يشاركون في "التمرد" على حكومة السنيورة، وعلى المحكمة الدولية. إنّ هذه التحركات كلّها في لبنان ومن حوله تعني أنّ المغازلات العربية والدولية مع سوريا في الشهور الماضية لم تُثمر غراماً ولا هُياماً. كما أنّ بداية المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ما ولّدت اطمئناناً لدى الإيرانيين على الأقلّ على رغم امتداحهم لها علناً. سولانا يعود للالتقاء بلاريجاني بمدريد اليوم أو غداً. والبرادعي الذي تعب من الجرجرة الإيرانية والهياج الأميركي، اقترح حلاًّ وسطاً لمسألة التخصيب أثار سخط إدارة بوش. ولذا فالذي يبدو أنّ الطرفين ما يزالان يتحسسان مواطئ أقدامهما على مشارف المفاوضات، ولا يريد أيٌّ منهما التنازُل عن شيء قبل الأوان. ويعني هذا أنّ إيران ما تزال بحاجةٍٍ لسوريا ورقةً في التفاوُض مع إدارة بوش ومع العرب. ومن هنا وقوف "حزب الله" (سياسياً حتى الآن) مع سوريا في شتى الظروف. أما سوريا فتشعر أنّ كلَّ التواصُلات العربية والأوروبية والروسية والدولية في الشهور الماضية، ما أثمرت أكثر من امتناع الصين وروسيا عن التصويت على قرار محكمة الحريري. وتنظر سوريا إلى المحكمة نظرةً سلبيةً جداً تصل إلى اعتبارها قَدَراً على نظامها. ولهذا فهي ليست مسرورةً أبداً من الاستجابة العربية الضعيفة لهمومِها ومطالبها، ولا هي مسرورة بالقدر المتواضع من الدعم والتضامن اللذين يظهرهما "حزب الله" وحركة "أمل" ولحود. ولذلك فإنّ حركة "فتح الإسلام" تعبيرٌ عن التذمُّر من الخصوم والأنصار، ومن العرب والدوليين. لكنْ لأنه كذلك فهناك أطرافٌ عديدةٌ في لبنان ترفض المشاركة. إذ المطلوب أولاً التحرك ضد الجيش وهذا أمرٌ لا يستطيعه عون وعمر كرامي على الخصوص. والمطلوب التضحية بالنفس أو بالدور، وهذا ليس شأن الأكثرين. ثم إنّ المحكمة أقرّتْ فماذا ستُفيد حركةٌ كهذه غير تقوية جانب حكومة السنيورة، التي عادت تشهدُ دعماً كبيراً عربياً ودولياً؟! هناك إذن أمران: اعتبار السوريين والمعارضة اللبنانية للقرار الدولي 1757 جزءاً من مسلسلٍ طويلٍ من القرارات الدولية والإجراءات الأميركية، ضد سوريا والمقاومة. والأمر الثاني اعتبار قسم كبير من الجهات العربية والدولية أنّ لبنان يواجهُ تحديين: تحدي الإرهاب، وتحدي التدخل السوري. ولذلك فهناك من يدعم لبنان في مواجهة الإرهاب، وهناك من يدعمه في مواجهة التدخل السوري. وفي كل الأحوال: لقد أُقرت المحكمة تحت الفصل السابع؛ وهذا أمرٌ شديدُ الأهمية والخطورة وقائع ودلالات. لكنّ جماعة "14 آذار" لن يكونَ عندهم وقتٌ طويلٌ ليفرحوا أو يهدأوا إذ إنّ سوريا ليست مُرتاحةً أبداً، والذين يرغبون في استمرار لبنان ساحةً لتصفية الحسابات والاستدراج باتجاه النيران المشتعلة، ليسوا السوريين وحدهم. قال لي مسؤولٌ عربي إنّ سفيراً فرنسياً قديماً أخبره أن عرفات عندما كان يغادر شاطئ بيروت متحسِّراً وعدَ من حوله بالعودة، وقال له ذلك السفير: إياك أن تنظر إلى الوراء مهما كلّف الأمر، لا تنظر إلاّ إلى فلسطين أو يضيع عليك الهدف! ويتابع السفير: لكنّ عرفات ما لبث أن عاد إلى طرابلس فأخرجه الرئيس حافظ الأسد منها مهزوماً، كما أخرجه الإسرائيليون من بيروت. والذي أخشاهُ أن يعيد التاريخ نفسه، وتحاول سوريا العودة من خلال المخيمات وما شابه، ومعروفةٌ مقولة كارل ماركس عن تكرار التاريخ: مرةً مأساة، ومرةً ملهاة؛ لكنها ملهاةٌ ذاتُ سخريةٍ سوداء قاتمة، لأنها تلاعُبٌ بحياة البشر وبدون فائدةٍ من أيّ نوعٍ للفاعلين والمشاركين. ولله في خَلْقه شؤون!