ما دام ثمة إجماع -ولو نظري- في صفوف المنظمات الفلسطينية أن منظمة "فتح الإسلام" ليست فلسطينية، ولا علاقة لها بالشعب الفلسطيني وقضيته إلا باعتبارها موجودة على أرض مخيم فلسطيني، لكن غالبية عناصرها ليسوا فلسطينيين، بل هم لبنانيون وعرب مسلمون من جنسيات مختلفة، حتى أن كثيرين أكدوا أن عقيدة المنظمة لا تقوم على قتال الإسرائيليين أو بالأحرى اليهود واتجاهها مكان آخر. ما دام الأمر كذلك، فلماذا لا يكون التفكير أولاً في مصلحة الشعب الفلسطيني، الفقير والمظلوم والمعرض لدفع أثمان إضافية وكبيرة بسبب هذه الحالة أو الظاهرة الجديدة الغريبة عنه وعن عاداته وتقاليده وقيمه؟ ولماذا لا يكون الانحياز إلى حل يكرس هذه المصلحة، ويسقط كل محاولة لاستغلال هذا الشعب وقضيته لمصلحة آخرين في لبنان وخارجه؟ ولماذا لا تتقدم المصلحة الفلسطينية على مصالح أطراف أو جبهات أو حركات أو شخصيات أو "قيادات" -ولم يعد ثمة قيادات تاريخية- وتتوقف عملية التشاطر والتذاكي والاستغلال لما جرى ويجري في مخيم "نهر البارد" وتداعياته من أجل مصلحة هذا أو ذاك لتكريس نفوذ هذا الفريق أو ذاك بعيداً عن المصلحة الجماعية؟ فهل تتكرس زعامة وقيادة وسلطة ونفوذ في فلسطين الأرض الأم بالاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني؟ وهل تتكرس بذلك صدقية؟ أم تتكرس الصدقية والهيبة والسلطة والنفوذ بالاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني، أو بحماية القتلة والمجرمين وأصحاب السوابق الذين يلجأون إلى المخيمات منذ سنوات هاربين من وجه العدالة في لبنان، أو بالتسابق لتأخير الحل أو منعه في "نهر البارد" وعن سابق تصور وتصميم بعضهم بما يخدم مصالح خارجية أو فئوية أو سياسية بعيدة عن المصالح الفلسطينية الحقيقية؟ وهل يُحمى الشعب الفلسطيني، ويتكرس حق عودته إلى دياره وينال حقوقه المدنية في لبنان ويتم إسقاط التوطين من خلال "توطين" من لا علاقة لهم بهذا الشعب -كما تقول المنظمات الفلسطينية- في مخيم "نهر البارد" وغيره من المخيمات فقط، بسبب التسابق على النفوذ أو السيطرة أو بسبب حسابات الربح السريع واستثمار ما جرى خارج إطار المصلحة الفلسطينية العامة؟ أسئلة كثيرة تُطرح في هذا السياق، وسببها عدم الاقتناع بوجهات نظر قدمت لا تبرر مواقف غالبية المسؤولين الفلسطينيين في المخيمات وخارجها في لبنان. وما دام ثمة إجماع ولو نظري بين اللبنانيين على تأكيد أن هيبة الجيش وكرامته خط أحمر. فلماذا تقييد الجيش والدولة بسلسلة من الخطوط الحمراء السياسية والأمنية والمعنوية؟ ولماذا استغلال ما يجري في مخيم "نهر البارد" في كل حساباتنا السياسية الضيقة وحسابات غيرنا الكبيرة والواسعة على امتداد هذه الأمة والعالم ربما؟ وهل يتم إسقاط التوطين فقط بشعار عدم الدخول إلى المخيم، وليس ثمة هدف مخطط له مسبقاً للدخول، أو بإغراق الجيش بمعنويات كلامية وإغراق البلاد بتصريحات نارية حادة وخلافات كبيرة وسط ما يجري بالخلافات الداخلية؟ وهل تتأكد سيادة الدولة وكرامتها بالتشكيك في كل شيء في البلاد وصولاً إلى الجيش أو بعدم الوضوح معه ومع قيادته؟ أو بالوضوح المعلن بين النقاط في التصريحات والكلمات، الوضوح الذي يغلـّف حركة الجيش بتعقيدات كثيرة تحت عناوين مختلفة؟ وهل الإجماع حول المطالبة بتسليم الذين اعتدوا على الجيش إلى القضاء لمحاكمتهم محاكمة عادلة يترجم من خلال منع وصولهم إلى القضاء؟ فكيف تكون محاكمة قبل أن نصّر على أن تكون عادلة؟ وإذا كان اتجاه للتسليم يبدأ التشكيك بالقضاء قبل حصوله. وهل القناعة -النظرية- المعلنة أو غير المعلنة بأن ثمة حالات تكفيرية تهدد الجميع ويتجنب البعض الدخول في مواجهتها كي لا تقع فتن مذهبية، تترجم بهجوم سياسي آخر يؤدي إلى الفتن ذاتها؟ وهل تطوير وتعميق وحماية العلاقات اللبنانية- الفلسطينية، يمكن أن يتحقق من خلال هذه السياسات الفلسطينية أو اللبنانية؟ بالتأكيد لا. فالمطلوب اليوم، وعلى رغم كل الخلافات السياسية مواجهة استحقاقات من هذا النوع بموقف وطني لبناني جامع، يحمي البلد من الفتن المذهبية، فلا تستطيع معه أي حالة استهداف واستفراد فريق أو مذهب أو طائفة في لبنان، بل تكون حصانة شاملة في مواجهتها. والقول هذا لا يعني أن الخلافات ستتوقف بين اللبنانيين أو ستنتهي، لكن ثمة ما هو مهم وما هو أهم، ما هو خطر وما هو أخطر، وعندما تصل درجة التحذير من أن ما يجري اليوم في "نهر البارد" من خلال منظمة "فتح الإسلام" هو أخطر ما تشهده الساحة اللبنانية، فلابد من إعطاء الأولوية لمواجهتها والمواجهة لا تكون إلا بموقف موحد، وإلا فإن أحداً لا يستطيع الادعاء أنه قادر على حماية نفسه من التداعيات الخطيرة لمثل هذه الحالة ولنتائج ما يجري حتى ولو ظن أنه محمي ممن يحمي الحالة نفسها أو يحركها، فقد علمتنا التجارب أن الخطر سيطاول الجميع في النهاية. ولا أعتقد في الوقت ذاته أن ثمة مصلحة فلسطينية في استمرار التعاطي مع حالة "فتح الإسلام" بالطريقة التي أشرنا إليها. فلن يتمكن فصيل أو فريق من إثبات صدقية أو تحقيق مكاسب لأن العملية ستنقلب عليه في النهاية كما ستكون انعكاسات سلبية على مستوى العلاقات اللبنانية– الفلسطينية، في وقت أرى فيه إمكانية ومن خلال الحل الذي ينطلق من عقل بارد والمبني على تسليم عناصر منظمة "فتح الإسلام" إلى القضاء اللبناني لتكون محاكمة عادلة، بما يجنب المخيم والشعب الفلسطيني المزيد من الخسائر وكذلك الجيش، ويضمن عودة النازحين ويثبت الاستقرار، وتكون الكلمة الفصل في ذلك للعدالة، بما يريح اللبنانيين والفلسطينيين ويؤسس مجدداً لحالة من الثقة والتعاون نعود من خلالها إلى مناقشة كل القضايا المشتركة والمشاكل العالقة انطلاقاً مما تم الاتفاق عليه وأجمع حوله اللبنانيون على طاولة الحوار في مارس 2006. خارج هذا الحل، الذي يمكن أن تؤخره أو تواجهه عقبات عديدة كثيرون قادرون على افتعالها، ستزداد الأمور تعقيداً ولن يكون ذلك في مصلحة لبنان واللبنانيين وفلسطين والفلسطينيين والعلاقات اللبنانية- الفلسطينية.