في مقال"القتل بخيط من حرير"، تعرضتُ إلى دور التعليم في تحويل الأمة عن قيمها إلى متاهة من الأخلاق التي تحمل في طياتها قتلاً للأمة بخيطٍ من حرير، لأننا نظن في من يحمل تلك القيم الخير، ولكنه في حقيقته يقتل هذه الأمة بدعوتها بالحسنى للتعلق بأخلاق ليست من طباعنا، ولا من نهجنا، وهذا ما أسميناه القتل لكن بخيط من حرير. في هذا المقال سأناقش قاتلاً جباراً، يدخل في بيوتنا دونما استئذان، الأصل أنه يفيدنا، وهذا إنْ أحسنا التعامل معه، لكنه القاتل الصامت لكثير من الأخلاق والقيم التي نحيى ونموت عليها وبها، ومتى ما تخلت الأمة عن تلك القيم، فقد بدأت في حفر قبر جماعي لها من حيث تعلم أو لا تعلم. عندما تحول الغناء من مادة مسموعة يطرب لها أهل الطرب إلى مادة مشاهدة تحت دعوى تطوير الأغنية العربية، تحولت الأغاني إلى مادة إباحية تهدم في قيم الشباب بتشويه صورة المرأة العربية وتحويلها إلى دعوة صارخة للجنس، فكأن المرأة ليس لها دور في الحياة تلعبه إلا أن تكون مادة سهلة لقضاء شهوة الذكورة المتأزمة، وعندما أضيفت للأغنية الساقطة الإهداءات المبتذلة، حصلت الأغنية الساقطة على وسيلة جديدة لهدم القيم؛ حيث أصبحت الكلمات الخاصة والجارحة للمشاعر سلعةً معروضةً على الهواء، يتعلمها الجيل القادم، فانتقلت كلمات الحب الراقية إلى مصيدة جديدة ومواعيد غرامية يتطارحها الهابطون من أبناء العرب، تحت مسمع ونظر أهل القرار، ولكن هل من رقيب؟ وإذا كان الرقيب مؤمناً بمثل هذه الرسائل الساقطة والكلمات النابية والأغاني الهادمة، فأين هو دور الأمة في المحاسبة أم أن القيم أصبحت في مهب الريح؟ وقد أعجبتني الحملة التي نظمتها جمعية توعية ورعاية الأحداث بقيادة الفريق ضاحي خلفان تميم، القائد العام لشرطة دبي، لمقاطعة هذه القنوات الهابطة، لأن الأخلاق خط أحمر ولا ينبغي التنازل عنها، فهل من مؤمن على اجتهاد ذلك الرجل المخلص للقيم والأخلاق؟ ومع الأغاني الهابطة التي تمثل دعوة صارخة للجنس وكأنه الهواء الذي لن يعيش المرء دونه، بدأت بعض قنواتنا العربية معركة جديدة في هدم أخلاق العالم العربي، والذي فقد الكثير وما بقي له من تراثه الحضاري سوى قيمه. لقد قامت بعض هذه القنوات بترجمةٍ لبعض البرامج الأجنبية التي صُممت ونُفذت لأخلاق غير أخلاقنا، حيث تناقش بكل صراحة مشاكل يتعرض لها المجتمع الغربي بشقيه الأميركي والأوروبي، هذه المشاكل التي يعاني منها ذلك المجتمع تمثل خصوصية ثقافية وقيمية متجذرة في تلك الهوية وينبغي أن نكون نحن بعيدين كل البعد عنها، ففي واحد من تلك البرامج الذي يستمر لقرابة الساعة، تمت مناقشة حق المثليين في الزواج أو زواج الشواذ، وكيف أن المجتمع يمنعهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، وقد قامت القناة بسرد المآسي التي يتعرض لها الشواذ من الجنسين لأن المجتمع الغربي المتحضر لم يقر لهم كل حقوقهم...السؤال هو ما علاقتنا نحن بمثل هذه الأمور؟ ولِمَ تُخصص هذه القناة العربية ساعةً من البث للبحث في قضية مرفوضة في قيمنا، لأننا نؤمن بأن الله خلقنا ذكوراً وإناثاً كي تستقيم الحياة، ومن شذ عن ذلك فهو مريض حقه مكفول في العلاج؟ قناة أخرى بثت حلقة كاملة عن الزوجات اللائي يغتصبهن أزواجهن، حيث بينت الحلقة وجهة نظر المرأة وحقها في رفض الإشباع الشرعي لزوجها متى شاءت دونما سبب يُذكر، ومن تجاوز هذا الحق، فقد ارتكب جريمة ينبغي أن يُعاقب عليها. قناة أخرى تتعرض إلى حق الفتاة في ممارسة الجنس خارج إطار الزوجية كي لا تُعاني من الكبت الجنسي! كل هذه المواضيع تعرض في صورة تبين الانحراف عن القيم التي تمر بها تلك الشعوب، فهل نحن بحاجة إلى ترجمة تلك القيم إلى مجتمعاتنا؟