بعد شهور قليلة من الآن ستدخل الصومال السنة الثامنة عشرة على اندلاع مشاكلها السياسية وعدم الاستقرار وحروبها الأهلية، ما يعني دخولها مرحلة "الدولة المنهارة"، وفي السنوات الأخيرة أخذت المشكلة الصومالية في أن تصبح أكثر عنفاً ودموية وتطرفاً وغير قابلة للمتابعة، وأكثر تدويلاً بتدخل القوات الإثيوبية فيها. وفي مرحلة ما بعد الاستعمار في دول العالم النامي تعتبر الصومال مثالاً حياً للدولة المنهارة كلياً، حيث لا يلوح في الأفق بصيص أمل لعودة الأمن والاستقرار إليها، أو لعودتها دولة موحدة تضم كافة أطرافها وأقاليمها المبعثرة إلى بعضها بعضاً مرة أخرى، وذلك بالرغم من كافة الأحاديث التي تدور حول وجود حكومة مركزية. حال الصومال محير جداً، فطول أمد نكبته يثير العديد من التساؤلات حول أسباب ذلك، فهل هي أسباب داخلية ذات عوامل تخص الصومال وشعبه فقط، أم هي خارجية ليست في متناول يد الصوماليين لمعالجتها وحلها؟ والواقع هو أنه نتيجة لتعقد المشكلة تعقيداً شديداً، يصعب على المرء الإجابة على مثل هذه التساؤلات، وما يمكن قوله بشكل عام هو أن أسباب المشكلة خليط من العوامل الداخلية والخارجية التي تمازجت مع بعضها بعضاً تمازجاً شديداً جعل من حل المشكلة أكثر صعوبة وتعقيداً. وبالنسبة للعوامل الخارجية بالتحديد، توجد ادعاءات قوية بأن المتسبب في المشكلة عوامل خارجية قام بتصميمها لاعبون من خارج الصومال، وهذا الادعاء ذو شعبية واسعة ويقع ضمن مقولات نظرية المؤامرة الخارجية لتقطيع أوصاله من قبل جيرانه وبعض القوى الدولية الفاعلة في النظامين الدولي والإقليمي. وبالطبع نحن لا نميل إلى الأخذ الكامل بنظرية المؤامرة الخارجية هذه، وأخذها على علاتها بأنها العامل الوحيد لما يشهده الصومال من مآسٍ. ما أميل إلى الأخذ به، وكما أشرت أعلاه، هو أن المشكلة الصومالية نتاج خليط معقد لعناصر وعوامل وقوى ومصالح متشابكة داخلية وخارجية تخص الصوماليين وجيرانهم والقوى الإقليمية المحيطة بهم والقوى الدولية الفاعلة في النظام الدولي خلال هذه المرحلة من تاريخ العالم. فبالنسبة لمتابعي الشأن الصومالي الخارجيين تعتبر الفكرة التي نطرحها ليست بالجديدة، ولكن الجديد هو أنه خلال عام 2006، وما انصرم من عام 2007، تم تدويل المشكلة بشكل كبير جداً بعد أن تدخلت القوات الإثيوبية تساندها وحدات من القوات الأوغندية. ويعزز هذا القول أنه برغم وجود عوامل داخلية مهمة تعمل فعلها في تأجيج المشكلة، وعلى الرغم من أن المشكلة في جزء كبير منها هي نتاج لتعقيدات صومالية داخلية خاصة دور "أمراء الحرب"، واستمالة شيوخ القبائل والعشائر إلى هذا الطرف أو ذاك، والقيادات الفاسدة التي تداولت السلطة، وخوف العديد من الأطراف من وجود حكومة مركزية قوية، لأن ذلك يتعارض مع مصالحها المحلية، إلا أن العوامل الخارجية تبقى دون شك أكثر أهمية من أي وقت مضى منذ رحيل قوات حفظ السلام الدولية التي كانت تحت إشراف الأمم المتحدة عام 1995، خاصة على ضوء تدخل القوات الإثيوبية المباشر منذ عام 2006. لقد نظرت العديد من الأطراف الخارجية إلى ذلك التدخل بأنه يمكن أن يحقق أهدافاً رئيسية ثلاثة، هي تحقق الأمن والسلام، وفتح باب الحوار السياسي بهدف حل المشكلة، وقدرة الجهة التي تتبوأ السلطة على حكم القطر بطريقة فعالة. ولكن وحتى الآن، لم يتحقق أي من هذه الأهداف، فالعاصمة مقديشو لا زالت رهناً لأعمال القتل والتنكيل ومظاهر العنف المسلح الأخرى دون أن تتمكن الحكومة الانتقالية المسنودة من القوات الإثيوبية من السيطرة عليها، والحوار السياسي لم يجد له سبيلاً على الإطلاق لكي يصبح فاتحاً لطريق الحل، فالحكومة الانتقالية ترفض الحوار مع الأطراف الأخرى خاصة مجلس "المحاكم الإسلامية" الذي خلعته إثيوبيا من الحكم، وتصف قادته بأنهم جميعهم إرهابيون، في نفس الوقت الذي تصر فيه الفصائل الإسلامية على أن أول شرط لجلوسها على طاولة المفاوضات هو خروج جميع القوات الأجنبية من البلاد فوراً ودون أية شروط. وأخيراً فإن الحكومة الانتقالية بعيدة جداً عن أن تكون القادر على حكم الصومال في هذه المرحلة لأسباب لا حصر لها. إن حل المشكلة الصومالية إلى الآن يبدو بعيداً جداً عن متناول اليد، فقد جربت جميع الوسائل والطرق العسكرية والسلمية، ولم تبق طريقة إلا وتم استخدامها ولكن دون جدوى، فمن تدخل الأمم المتحدة إلى تدخل القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم إلى مساعي العديد من الدول العربية والإسلامية الحميدة، إلى إرسال قوات دولية تحت إشراف الأمم المتحدة، دع عنك ما حاوله الصوماليون ذاتهم لحل أزمتهم، ولكن جميع ذلك لم يُجد وبقيت المشكلة تراوح مكانها بل وتزيد سوءاً، ومن يدفع الثمن هم شعب الصومال المغلوب على أمره، فمن ينقذ الصومال من محنته؟ وأين أنتم يا عقلاء وحكماء الصومال من إنقاذ بلادكم؟ ألا أفقتكم! د. عبدالله جمعة الحاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المستشار الثقافي بسفارة دولة الإمارات العربية المتحدة - واشنطن