ظلت رواتب وأجور الموظفين في دولة الإمارات ترتفع بوتيرة سريعة ومتلاحقة، خلال السنتين الماضيتين، بدافع تغطية تكاليف غلاء المعيشة المتسارعة بوتيرة أكبر، إلا أن هذا الارتفاع ينحصر في شرائح وقطاعات بعينها دون غيرها، ما يترتب عليه اختلالات متعددة الأوجه والأعماق في سوق العمل المحلي، وهي الاختلالات نفسها التي دفعت إلى الاتجاه نحو تبنّي حدٍّ أدنى للأجور بالنسبة إلى فئات عمالية دون أخرى. في هذا الاتجاه، أوصى "المجلس الاستشاري" لأبوظبي، مؤخراً، بوضع حدٍّ أدنى لأجور العمالة غير الماهرة في الإمارة، والتي تتلقى شريحة كبيرة منها أجوراً لا تزيد على 400 درهم في الشهر، ما يضطر كثيراً منهم للبحث عن مصادر دخل أخرى عبر وسائل مختلفة تؤدي إلى مخاطر قانونية وأمنية. هذا التوجّه يُعيد مرة أخرى الجدل حول "التدخل الحكومي المباشر" في وضع حدٍّ أدنى للأجور، وهي مسألة خلافية على المستوى الدولي، إذ إن العديد من المؤسسات الدولية، ومن بينها "البنك الدولي" و"صندوق النقد الدولي"، لا تؤيد لجوء الدول إلى اتخاذ قرارات مباشرة لتحديد حدٍّ أدنى للأجور، وذلك بسبب الانعكاسات السلبية لمثل هذه القرارات على النمو الاقتصادي، وما يمكن أن ينتج عنها من آثار تضخمية تعمل سريعاً في تفريغ مثل هذه القرارات من أهدافها الحقيقية، كما أن مثل هذه القرارات غالباً ما تفتقد إلى العدالة في توزيع الأعباء على قطاعات العمل والإنتاج المختلفة، باعتبار أن هذه القطاعات تقوم على منهجيات عمل مختلفة، فمنها ما هو كثيف رأس المال ويعتمد على عدد قليل من العمالة الماهرة، ومنها ما هو على عكس ذلك يقوم في الأساس على فلسفة العمالة الكثيفة وغير الماهرة والرخيصة أيضاً. من الطبيعي أن تُصَحّح أجور العمال في أي دولة من فترة إلى أخرى تبعاً لمتغيّرات اقتصادية أساسية، في مقدمتها زيادة تكلفة المعيشة وتطور مستوى الإنتاجية، وهو واجب المؤسسات والشركات وحق للعمال. كما أن الارتفاع القياسي في أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية، والزيادة الكبيرة في حجم المشاريع والأرباح المتزايدة التي تحققها الجهات المنفذة لمختلف هذه المشاريع، وفي ظل عدم وجود سوق عمل حر، كل ذلك يبرّر تدخّل الجهات المعنية في الدولة لتحسين أوضاع العمالة المعيشية من خلال عدد من التحركات والسياسات الفاعلة، بما فيها تصحيح الأجور والرواتب، ولكن من دون وضع حدٍّ أدنى لها، إذ إن ما تقبله العمالة الوافدة غير الماهرة بمختلف جنسياتها وثقافاتها الاستهلاكية من مستوى متدنٍ للأجور في بعض القطاعات لا يمكن بأي حال استخدامه كمعيار للأجور ولمستوى المعيشة في الدولة يتم تطبيقه على الجميع. إن قضية تدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة قضية كبيرة ومتشعبة يجب النظر إليها من جميع جوانبها، حتى تكون معالجتها فعّالة وعادلة. والمطلوب ليس وضع رقم بعينه يمثل الحدَّ الأدنى للأجور، وقد يكون لا معنى له في ظل طبيعة سوق العمل المحلي والازدياد المطرد في معدلات التضخم، وإنما المطلوب مراجعة شاملة لأوضاع الأجور في سوق العمل وتعديلها بناءً على معطيات هذا السوق، ومن خلال معايير علمية وموضوعية عادلة، بحيث يرتبط الأجر بنشاط كل قطاع ومستوى الإنتاجية الفعلية، فضلاً عن تكاليف المعيشة، وبما ينصف الجميع العامل وصاحب العمل والدولة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.