في كتاب "داخل حماس: القصة المسكوت عنها لحركة المقاومة الإسلامية"، يقدم لنا "زكي شهاب"، الصحافي الفلسطيني البارز، سرداً مقنعاً ورصيناً وشاملاً يصف لنا من خلاله (حركة المقاومة الإسلامية) "حماس"، والتي اشتهرت بعملياتها داخل إسرائيل، منذ نشأتها وحتى لحظة فوزها بالانتخابات التشريعية الفلسطينية في يناير 2006، الأمر الذي مثل في ذلك الوقت مفاجأة للعالم وللمراقبين والدوائر السياسية في تل أبيب وواشنطن خاصة. يقول المؤلف إن "حماس" حققت الفوز لأنها خططت للانتخابات جيداً وأدارت حملتها بذكاء، وكانت تدرك أن الخدمات الاجتماعية التي تقدمها للفلسطينيين الفقراء، أدت إلى خلق قاعدة دعم شعبي قوية لها، كما أن هناك فلسطينيين كثيرين آخرين سيصوتون لها بسبب تذمرهم من فساد "فتح" ومحسوبيتها. يقول المؤلف، وهو مهتم بتتبع مسيرة "حماس" منذ نشأتها، إن (حركة المقاومة الإسلامية) خرجت في الأساس من معطف "الإخوان المسلمين"، وإن الشيخ أحمد ياسين لعب دوراً كبيراً في تطور الحركة من خلال نجاحه في بناء "المجمع الإسلامي" الذي ساعد الحركة على تعزيز وجودها من خلال بناء المؤسسات والجمعيات الإسلامية التي قدمت الخدمات الاجتماعية لقطاعات الشعب الفلسطيني، وعززت ثقافة المقاومة لديه، كما مكنها أيضاً من تقوية الجناح العسكري للحركة، عبر التجنيد والتدريب وتوفير السلاح. ويتناول المؤلف سيرة أهم القيادات في "حماس"؛ من أحمد ياسين مؤسس الحركة، وكيف نشأ متأثراً بأفكار "الإخوان المسلمين"، وكيف أسس الحركة، وعلاقته المتقطعة مع حركة "فتح"، والعلاقة بينه وبين ياسر عرفات، والتي لم تخلُ بدورها من الشد والجذب على رغم أن كلاً منهما كان يكنّ الود للآخر. كما يحكي المؤلف عن نجاح أحمد ياسين في بناء علاقة متميزة مع إيران وسوريا على وجه التحديد مستفيداً من توتر علاقات هاتين الدولتين مع "منظمة التحرير الفلسطينية"، وكيف وظفت "حماس" علاقتها مع إيران لصالحها من خلال الحصول على دعم الأخيرة للتيار الإسلامي في غزة على حساب "فتح" العلمانية. ويسرد المؤلف كيف نجحت "حماس" في توطيد علاقتها مع سوريا على حساب "فتح" وعرفات، وذلك بسبب العلاقة التي كانت متوترة بين حافظ الأسد وعرفات، والتي دعت الأسد إلى تقديم الدعم لجميع المنظمات المنشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية، بما فيها "حماس". ويتحدث المؤلف كذلك عن الدعم المالي الكبير الذي نجحت "حماس" في الحصول عليه من العديد من الجهات، بما فيها بعض المنظمات الخيرية في دول الخليج، وخصوصاً بعد الموقف الذي وقفه ياسر عرفات إلى جانب صدام حسين في غزو الكويت، مما جعل هذه الدول تلجأ إلى دعم المنظمات المناوئة لعرفات. ويتناول المؤلف سيرة الشخصيات القيادية في "حماس" والذي كانت تربطه بمعظمها علاقات وطيدة. فبالإضافة إلى زعيمها الروحي "أحمد ياسين"، هناك القائد السياسي للحركة الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي الذي اغتالته إسرائيل بعد بضعة أسابيع من اغتيالها الشيخ أحمد ياسين (2004). وكذلك شخصيات أخرى قيادية في الحركة للحركة لم يسلط عليها كثير من الأضواء ربما بسبب الطبيعة السرية لدورها؛ مثل يحيي عياش الذي كان يطلق عليه لقب "مهندس الحركة" بعد أن طور "العمليات الانتحارية" والتي يعتبرها الكثيرون أقوى أسلحة "حماس" وأشدها فتكاً إذ بثت الرعب في قلوب الإسرائيليين وأوقعت بينهم خسائر فادحة. ويتناول المؤلف أيضاً سيرة شخصيات أخرى اكتسبت قيمة نضالية رمزية مثل "أم نضال فريحات" التي يطلق عليها "أم الشهداء" حيث استشهد ثلاثة من أبنائها الستة في عمليات انتحارية ضد إسرائيل. وفي سياق آخر يقول المؤلف إن أميركا لم تهتم بـ"حماس" إلا بعد ما قامت بتنفيذ بعض العمليات الانتحارية المدوِّية داخل إسرائيل، بل إن إسرائيل ذاتها ظلت تتعامل معها لفترة طويلة ليس باعتبارها مصدراً للتهديد، وإنما باعتبارها قوة صاعدة في الساحة الفلسطينية يمكن الاستفادة منها في هز مكانة وسلطة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية عامة. ويركز المؤلف بشكل خاص على تطور المنظمة خلال الفترة منذ الانتفاضة الأولى عام 1987 إلى يومنا هذا حيث تتولى "حماس" قيادة الحكومة في السلطة الوطنية الفلسطينية وتتمتع بأغلبية برلمانية. المؤلف يرى أن "حماس" بعد صعودها للسلطة، وجدت نفسها مضطرة إلى إجراء بعض التعديلات والتغييرات في موقفها، على الأقل فيما يتعلق بالهدنة مع إسرائيل. وهو يتوقع أن تتبنى الحركة سياسات أكثر براجماتية ستختلف بلاشك عن السياسات التي كانت تتبعها عندما كانت في موقع المعارضة. وهو يرى أنها وإن كانت قد أعدت نفسها جيداً للوصول إلى السلطة، إلا أنه لم تكن لديها رؤية حقيقية لكيفية ممارسة هذه السلطة، وهو ما كان سبباً في الكثير من المآزق التي تعرضت لها، ومن ثم فإنه يتعين عليها إعادة ترتيب أوراقها، وإعادة بناء تحالفاتها، وأن تحاول الإجابة على الكثير من الأسئلة المهمة، ومنها على سبيل المثال: هل ستظل قادرة على الاحتفاظ بالعلاقات الودية التي قامت ببنائها مع بعض الدول العربية، خصوصاً في منطقة الخليج، مع احتفاظها في الوقت نفسه بعلاقاتها الوطيدة مع المحور السوري- الإيراني؟ وكيف يمكن أن يكون وضعها إذا ما تغيرت أجندة كل من هاتين الدولتين. "حماس" إذن مضطرة إلى إيجاد إجابات على تلك الأسئلة وغيرها من الأسئلة المهمة، وهي أيضاً بحاجة إلى إعادة التفكير بشأن مستقبلها على الساحة في ضوء ما يستجد من ظروف وأحوال في هذه المنطقة من العالم المضطربة وشديدة التقلب. سعيد كامل الكتاب: داخل حماس: القصة المسكوت عنها لحركة المقاومة الإسلامية المؤلف: زكي شهاب الناشر: نيشن بووكس تاريخ النشر: 2007