اقترنت العولمة في أذهان العديد من الناس بكل ما هو سلبي، وأصبحت إلى حد كبير رديفاً للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية القاهرة التي تصطرع في أتونها شعوب العالم. فمن البضائع الآسيوية الرخيصة التي تغرق الأسواق، وانتشار عمالة الأطفال، إلى إمبريالية الوجبات السريعة والهيمنة الثقافية الأميركية، فضلاً عن تصدير الوظائف وبروز ظاهرة الاحترار الأرضي... فهذه كلها مثالب وسلبيات ارتبطت بشكل، أو بآخر، بالعولمة وطبعت صورتها في المخيلة الجماعية للشعوب. لكن هذه النظرة السوداوية التي غرقت فيها العولمة، لاسيما لدى الجماعات المناهضة لها والتيارات اليسارية المناوئة لمبادئها، هي ما يسعى "نايان تشاندا"، مدير المطبوعات في مركز "ييل" الأميركي لدراسات العولمة، إلى تفنيده في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان "مرتبطون معاً: كيف صاغ التجار والمبشرون والمغامرون والمقاتلون العولمة". فبدلاً من التعاطي مع العولمة، كما درجت القوى السياسية اليسارية، على أنها مرحلة متأخرة من التطور الرأسمالي، يحاول المؤلف طرح رؤية مغايرة تنظر إلى العولمة كتعبير تلقائي عن الرغبات البشرية التي تعود في قدمها إلى فجر التاريخ عندما غادرت المجموعات البشرية الأولى موطنها الأصلي في القارة الأفريقية وانتشرت في أنحاء العالم بحثاً عن حياة أفضل. فالعولمة كما يصفها "تشاندا" ليست، كما يصورها البعض، خطة سرية يحيك تفاصيلها وزراء المالية في الغرب، أو أرباب الصناعة الفاسدون وصندوق النقد الدولي، وإنما هي نزوع بشري طبيعي لا يختلف كثيراً عن باقي الأنشطة الإنسانية. ويوضح المؤلف ذلك بقوله إن العولمة في جوهرها هي جزء من تلك "الدوافع التي حدت بالبشر إلى التواصل مع الآخرين، وهي أيضاً جزء من الرغبة الكامنة لدى الأفراد في جني الأرباح عبر التجارة، ونشر التعاليم الدينية، فضلاً عن التطلع إلى السيطرة على أراضٍ جديدة والهيمنة على الآخرين بقوة السلاح, وهي أمور بدأت منذ غابر العصور". والمؤلف الذي يجر وراءه مشواراً مهنياً حافلاً كمراسل صحفي غطى حرب فيتنام، يتناول العولمة من منظور شامل ويتتبع تجلياتها المتعددة عبر التاريخ؛ مثل العلاقات التجارية بين الأمم القديمة والصراعات المسلحة الرامية إلى التمدد والتوسع. وهو من خلال هذه العملية يقيم مقارنات بين بعض الممارسات القديمة ونظيراتها الحديثة، ليبرهن على أن العولمة كما نعرفها اليوم، ما هي في الواقع سوى امتداد لما كان سائداً في الماضي. فعلى سبيل المثال يقارن المؤلف بين تجار القوافل الذين كانوا يجوبون البلاد البعيدة بحثاً عن أسواق جديدة لترويج بضائعهم، وبين المواصلات الحديثة التي تنقل البضائع جواً وبحراً، أو حتى من خلال التجارة الإلكترونية التي تتخذ من الإنترنت ساحتها المفضلة. ومن هذا المنظور تصبح العولمة التي ينتقدها المناوئون، باعتبارها قطيعة صارمة مع الماضي وسلسلة من الممارسات القائمة على الظلم والإجحاف، ظاهرة مألوفة من وجهة نظر المؤلف عرفتها البشرية منذ قديم الزمن. فالتجار والمبشرون والمغامرون الذين كانوا في الماضي رواد العولمة ومروجيها، غيروا ملابسهم القديمة ليرتدوا أخرى معاصرة، وقد واستفادوا من الاختراقات التكنولوجية الحديثة لتواصل العولمة مسيرتها وإن كان في ثوب آخر مختلف. وفي هذا الإطار يشبه المؤلف مثلاً المبشرين الأسبان في القرن السادس عشر الذين جابوا البلاد البعيدة لنشر مبادئهم، بالجماعات المثالية الساعية الآن إلى نشر خطابها العلماني عن العدالة الاجتماعية على غرار منظمة العفو الدولية، أو عمال الإغاثة الذين يساعدون دول العالم الثالث. ومع اختلاف الوسائل والسبل تظل الأهداف والغايات هي نفسها متمثلة في الانتشار والتوسع، سواء فيما يتعلق بالبضائع والبشر أو الرساميل وتسهيل عبورها للحدود والمناطق. والملاحظ في الكتاب أن المؤلف يبتعد عن التحليل، بحيث يتجنب الدخول في تفاصيل العولمة وانعكاساتها إن سلباً، أو إيجاباً على الشعوب والأفراد، ويكتفي بسرد الأحداث التي ميزت مسيرة العولمة عبر التاريخ منذ الانتقال من المجتمعات الزراعية إلى القرن الحادي والعشرين وبروز ثورة الاتصالات والتكنولوجيا المتطورة. وبدلاً من الجأر بالشكوى ضد العولمة ونعتها بأقدح الصفات، يرى المؤلف أنه من الأفضل التعامل معها كصيرورة تاريخية لم تتوقف قط، وأنه من الأجدر التكيف معها على أنها حتمية لا مفر من زحفها. ولعل تلك هي المشكلة التي يقع فيها الكاتب، إذ باكتفائه بوصف العولمة وإخضاعها للمقاربة التاريخية، يقف عند عتباتها فقط ولا ينفذ إلى كنهها لتعرية سلبياتها. ومرد ذلك أن المؤلف اتخذ موقفه منذ البداية لصالح العولمة ووقف مدافعاً عنها من خلال سعيه إلى التهوين من جنوحها أحياناً والتقليل من شأنها غلوها ما دامت عجلتها تدور ضمن منطق التاريخ الذي يصعب وقفه. هذا الموقف الذي يعبر عنه المؤلف قائلاً: "ليست العولمة لعبة أخلاقية على الصعيد العالمي، بل هي ملحمة بشرية لا تتوقف يحركها السعي الحثيث لدى الملايين من الأشخاص لبلوغ حياة أفضل تتجلى في البحث عن تحقيق الربح والوصول إلى المعرفة والسلام الداخلي...". وعلى رغم اعتراف المؤلف بالاختلالات التي تعتور العولمة وما ينتج عنها من بروز طبقة من المتضررين، فإنه يعود إلى التأكيد على الطبيعة الحتمية للعولمة من حيث إنها متأصلة في التاريخ بدأت متواضعة ثم تضخمت بفعل التكنولوجيا. لذا لا يرى المؤلف من حل أمام المتذمرين من العولمة سوى التكيف معها والاندماج في حركتها. فالعولمة، إذن، ليست مجرد حاجة موضوعية تفرضها الضغوط الدولية، بل هي مطلب ذاتي يعكس التطلعات الإنسانية الرامية إلى تحقيق الربح والنجاح، وهو ما لا يمكن مقاومته. زهير الكساب الكتاب: مرتبطون معاً: كيف صاغ التجار والمبشرون والمغامرون والمقاتلون العولمة المؤلف: نايان تشاندا الناشر: مطبوعات جامعة "ييل" الأميركية تاريخ النشر: 2007