ما الذي يحدث في العراق الآن، وهل له من خلفية تاريخية تفسره؟ الحاضر لا يفسر بكامله على خلفية الماضي بالطبع، غير أن للأخير تأثيراته وانعكاساته التي لا يمكن تجاهلها على تشكيل الحاضر والمستقبل معاً. وهذه هي العلاقة الشرطية التي يناقشها هنا، "كريستوفر كاثروود"، أستاذ التاريخ بجامعة كامبردج، ومستشار حكومة رئيس الوزراء البريطاني "توني بلير". يبدأ الكتاب، كما يشير إليه عنوانه، بتحميل بريطانيا الوزر التاريخي الأكبر في كافة الأزمات السياسية التي مر بها العراق الحديث، وصولاً إلى ما يشهده اليوم من أزمات متفاقمة. ذلك أن "وينستون تشرشل"، وبصفته وزيراً للمستعمرات البريطانية في عشرينيات القرن الماضي، أقدم على ارتكاب إحدى حماقاته الكبرى متمثلة في الكيفية التي أنشأ بها دولة العراق الحديث. ويشخّص المؤلف تلك الحماقة في تحدي تشرشل لموجة النزعة الوطنية السائدة عالمياً وقتئذ، وكذلك تجاهله لرغبة الشعوب في أن تحكم نفسها بنفسها، وإقدامه على إنشاء العراق الحديث بالشروط التي رأى فيها خدمة للمصالح البريطانية في المقام الأول. وكما هو معلوم، فقد تكالبت كل من بريطانيا وفرنسا على التهام "غنائم" وبقايا الإمبراطورية العثمانية في منطقة الشرق الأوسط، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وكانت بريطانيا قد وضعت يدها على فلسطين، وسعت لإنشاء ممالك ودويلات صغيرة شكلية تابعة لها في المنطقة. وضمن ذلك التكالب الإمبريالي، أقدم تشرشل، على "لملمة" مجموعات وطوائف دينية عرقية متصارعة ومتنازعة، تسود بينها الخصومات والضغائن، ليرغمها على التعايش القسري تحت مظلة التاج الملكي العراقي الهاشمي، الذي أعلن عن تشكيل مملكته عام 1921. وبالنتيجة فقد فرض على الأكراد والسُّنة والشيعة العراقيين، شكلاً من أشكال الوحدة السياسية، والتعايش العرقي والديني غير المتصالح ولا الطوعي أساساً. وليس ذلك فحسب، بل إن العرش الملكي نفسه، جاء مفروضاً عليهم من أعلى، ولم يكن يمت لهم بأدنى صلة. وكانت الصيغة التي اختارتها بريطانيا لإدارة هذا الهجين الديني العرقي غير المنسجم -على حد توصيف الكاتب- هي الحكم غير المباشر، كصيغة أبدعتها مخيلة تشرشل المغامرة والمنفلتة، في تلك الخطوة بالذات. وكان طبيعياً أن يحدث انقلاب 1958 العسكري على الحكومة الهاشمية، لتتوالى سلسلة الانقلابات التي أفضت أخيراً إلى صعود "حزب البعث" إلى السلطة، وتربعه عليها لما يزيد على الثلاثة عقود تحت قيادة صدام حسين، ثم نشوب الحرب العراقية- الإيرانية التي امتدت لثمانية أعوام، وصولاً إلى ما عرف بحرب الخليج الأولى إثر الاجتياح العراقي للكويت عام 1990، وحتى الغزو الأميركي الحالي اعتباراً من صيف عام 2003. وليس أدل على "بركانية" التربة السياسية التي أقيمت عليها دولة العراق الحديث -كما يرى الكاتب، وهي تربة مهيأة ومواتية لنشوب القلاقل والنزاعات الداخلية أصلاً- من تعاقب 58 حكومة على العراق الحديث خلال الـ37 عاماً التي أعقبت الانسحاب البريطاني الاستعماري منه. "فهذا دليل ساطع على اضطراب مزمن يستعصي على الحل. كما أنه في التوالي غير المستقر لهذه الحكومات، ما ينمُّ عن استمرار نمط من الفوضى السياسية، لم تضع له حداً، إلا قبضة صدام حسين وكوارثه المتتالية، على حد تعبير الكاتب. أما النهج الذي قام عليه ذلك الهجين العراقي المتنازع على نفسه داخلياً، فهو استراتيجية "فرِّق تسُد" التي عرف بها الاستعمار البريطاني، وطبقها تشرشل بحذافيرها في العراق. وتقوم على توزيع الأكراد في عدة دول إقليمية متجاورة، ظناً منه أن الحس الوطني سوف يطغى على المشاعر العرقية الضيقة لتلك القومية، وأنه سوف يكون لسكان العراق وفلسطين، من المشاغل الداخلية، ما يكفي لصرف أنظارهم عن إثارة أية قلاقل خارجية، وأن في الإمكان إخضاع المجموعات العرقية الدينية العراقية الثلاث (المسلمون السُّنة والشيعة والأكراد) إضافة إلى الأقليات العرقية والدينية الأخرى جميعاً، تحت إمرة التاج الملكي الهاشمي. وقد فسر الكاتب إصرار تشرشل على اختيار الملك الهاشمي "فيصل" لقيادة ذلك الهجين، بأنه كان خطأً تاريخياً لا يغتفر، وأن الدافع الوحيد وراءه، لم يكن له صلة بمصلحة العراق ولا العراقيين، بقدر ما كان تعبيراً أنانياً ضيقاً، عن حرص بريطانيا على أن يكون لها حليف استراتيجي، تأتمنه على إدارة موارد نفط بلاد ما بين الرافدين الهائلة لصالحها. وكان الأوجب والأكثر حكمة وفطنة، أن تكون للعراقيين كلمة في اختيار من يتولى قيادتهم وإدارة بلادهم. لكن وللمفارقة التاريخية السياسية الغريبة، فقد تمرد الملك الهاشمي على حلفائه البريطانيين، ما أن أدرك أن "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس" كما توصف، كانت طامعة في شراء تاجه وسيادة بلاده، بزهيد التكلفة وأرخص الأثمان! وبالنتيجة، فقد واجهت بريطانيا مصاعب جمة، في بسط الأمن والسلام والاستقرار، في المنطقة الإقليمية كلها. يذكر أخيراً أن "هندسة" العراق الحديث، قد تمت في مؤتمر القاهرة، الذي عقد خصيصاً للدفع قدماً بمصالح بريطانيا العظمى، وتكبير نصيبها من غنائم الإمبراطورية العثمانية الآفلة، وذلك في مارس عام 1921. وهكذا وكما يقول المؤلف، فقد جاءت براجماتية تشرشل التوسعية الاستعمارية، وبالاً على العراقيين إلى اليوم، بقدر ما تعد خطأً استراتيجياً دوّنه تاريخ النزاعات التاريخية الطويل. وللتاريخ أيضاً، لابد من القول إن معاهدة "سايكس- بيكو" سيئة الذكر، والتي أبرمت في عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا بهدف احتواء أطماع الإمبراطورية الروسية القيصرية المنافسة، فقدت معناها تماماً، إثر اندلاع الثورة الروسية التي عصفت بالعرش القيصري في العام التالي. عبد الجبار عبد الله الكتاب: حماقة تشرشل: كيف أنشأ وينستون تشرشل العراق الحديث؟ المؤلف: كريستوفر كاثروود الناشر: "بارنيس آند نوبل" تاريخ النشر: مايو 2007