يشكل الترحيب الذي يحظى به الزائرون إلى القصر الرئاسي في العاصمة السودانية الخرطوم، ضرباً من ضروب الاستفزاز، إذ يمر الزائر بين حراس يتشحون بالبياض وفي أيديهم رشاشات آلية، ويلجُ إلى شبه معسكر صغير تعلوه نابا فيل متقاطعتان. ويحرص المستقبلون على تذكير الزوار بأن القصر الذي أعيد ترميمه كان في السابق مقر الجنرال البريطاني "تشارلز جوردون"، أحد المدافعين الأوائل عن "التدخل الإنساني"، وقد قُتل في القرن التاسع عشر أثناء انتفاضة إسلامية. ولاشك أن الأمر لا يخلو من تحذير مبطَّن لجيل جديد من الغربيين المثاليين القادمين إلى السودان. والواقع أن موقف القيادة السودانية التي كانت تؤوي في السابق أسامة بن لادن، تغير عقب هجمات 11 سبتمبر، حيث أبدت فجأة تعاوناً لافتاً مع المطالب الدولية خشية التعرض لذات المصير الذي آلت إليه أفغانستان. لكن في الوقت الذي التقيت فيه الرئيس عمر البشير في الخرطوم عام 2005 كان الخوف قد اختفى وتبدد. فقد شعر النظام أنه محميٌ بعلاقاته القوية مع الصين التي أصبحت أهم سوق للنفط السوداني، فضلاً عن تعزيز موقفه نتيجة دعم الحكومات العربية. ولم يتردد النظام السوداني وقتها في التعامل مع تهم ارتكاب المجازر في إقليم دارفور على أنها "عمليات مشروعة للدفاع عن النفس"، وطالب الأميركيين بجرأة برفع العقوبات التي تفرضونها على بلاده. بيد أن زيارة قمت بها لاحقاً إلى دارفور، كشفت لي حجم المعاناة التي يقاسي منها الأهالي، حيث تشمل عمليات الدفاع عن النفس التي تتحدث عنها الخرطوم، قيام الميلشيات المحلية المدعومة حكومياً بتدمير القرى وإرغام الملايين من الأهالي على الفرار والاحتماء في معسكرات مكتظة بالسكان. وعلى ضواحي تلك المخيمات تقوم الميلشيات باستفزاز السكان وإخضاعهم لصنوف من القهر والتنكيل. وقد تبين لي من خلال زيارتي تلك، أن قوة أممية لحفظ السلام تتكون من 15 إلى 20 ألف فرد مزودة بالطائرات المروحية ومرخصة بحماية المدنيين، ستغير الوضع المأزوم جذرياً. وعلى رغم مصادقة الأمم المتحدة على القيام بالمهمة، فإن النظام في السودان انبرى لإعاقة المهمة وحرص على وضع العراقيل أمام نشر القوات الدولية في كل مناسبة، خشية أن يتم استغلالها للقبض على المتورطين في ارتكاب المجازر من داخل النظام وتقديمهم للمحاكمة. لذا تأتي تصريحات الرئيس جورج بوش أول من أمس حول تشديد العقوبات على السودان، فضلاً عن الجهود المبذولة في مجلس الأمن لتوسيع نطاق العقوبات، لتشكل محاولة أخرى لكسر مقاومة النظام والسعي إلى نشر القوات الأممية. ويبدو أن هناك تحالفاً جديداً من الدول المستعدة للانخراط في الضغط على النظام السوداني وفرض عقوبات عليه مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والدانمرك، فضلاً عن بعض الدول الأفريقية وفرنسا. ولابد من الإشارة في هذا الإطار إلى الموقف الفرنسي الجديد تحت قيادة نيكولا ساركوزي الذي كشف عن استعداد بلاده للمشاركة بقوات في إطار الجهود الأممية، وربما العمل من داخل تشاد المجاورة لتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين في المخيمات. لكن ما عدا الجولة الجديدة من العقوبات التي تتهيأ الدول المذكورة لفرضها على السودان، تضيق الخيارات الأخرى. ولعل الخيار الأبرز هنا هو الحفاظ على العقوبات، وفي الوقت نفسه السعي إلى إشراك الحكومة والمتمردين في مفاوضات ثنائية، والانتظار حتى تنضج الظروف للتوصل إلى السلام. وفي هذه الحالة ستكون التكلفة الإنسانية أقل، خاصة وأن الظروف المعيشية تحسنت كثيراً في دارفور مقارنة مع ما كانت عليه في السابق، في حين أن المواجهة العسكرية قد تنسف الجهود السابقة وتعود بالوضع الإنساني إلى المربع الأول، لاسيما إذا أقدمت الحكومة السودانية على إجلاء الآلاف من موظفي الإغاثة وترك الأهالي في مواجهة مصيرهم القاتم. لكن المشكلة مع انتظار التقدم على مسار السلام، كما أخبرني أحد المسؤولين في الإدارة الأميركية، هي أن "النظام السوداني لا يستجيب إلا تحت الضغوط، ولا يتوفر على سجل للتجاوب مع الخطوات الإيجابية". لذا يكمن الخيار الآخر في التصعيد من حدة العقوبات لإرغام النظام على قبول نشر القوات الأممية في دارفور ونزع سلاح الميلشيات. وتشمل هذه المقاربة في مراحلها المتقدمة، التهديد باستخدام القوة من قبل التحالف الدولي، ليس من خلال الغزو أو اجتياح الأراضي السودانية، بل من خلال فرض منطقة لحظر الطيران أو فرض حصار جوي. كما يتعين، ضمن هذه المقاربة، بعث رسالة واضحة إلى النظام في الخرطوم تحذر من العواقب الوخيمة في حال الاستمرار في تهديد اللاجئين أو المس بسلامتهم. وكلما انطوى التهديد باستخدام القوة على مصداقية أكبر، كلما زادت احتمالات امتثال النظام للمطالب الدولية. وبالنظر إلى الالتزامات الأخرى للجيش الأميركي وإحجامه عن التخطيط لحرب أخرى في السودان، فإننا أمام وضع غريب تبدو فيه فرنسا أكثر استعداداً من "البنتاجون" للتدخل بهدف وقف المجازر في السودان. وعلى رغم المخاطر التي تنطوي على التصعيد العسكري، لاسيما في ظل المشاكل التي تواجهها أميركا في مناطق أخرى، فإن سؤالاً سيظل مخيماً على التاريخ: هل أصابنا الوهن إلى هذه الدرجة حتى نعجز عن وقف المجازر في السودان؟ ــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"