تناولنا في مقالات "حصار الثقافة العربية" السابقة تأثيرات الفضائيات و"الإعلام المعوْلم" على ثقافتنا، ونتناول اليوم مسألة الأصوليات التي أخذت في الانتشار والتأثير في اتجاه المزيد من الضعف والهزال الذي تعاني منه ثقافتنا. فما الذي يحدث في عالمنا العربي عموماً؟ ولماذا تتزايد الأزمة تفاقماً، وتزداد هويتنا ضياعاً وتمزقاً؟ لم تبدأ الأصوليات في هذه الفترة القصيرة بالتأكيد، وإذا كانت هزائمنا مستمرة منذ ألف عام، فالهزيمة الحديثة بدأت منذ ما يقارب المئة عام. أما الهزيمة الأحدث والأعمق ربما فهي التي بدأت بقيام "السرطان الصهيوني" 1948، وهزيمة حزيران 1967، ثم تعمقت بهزيمة 1982 عبر اجتياح الجيش الصهيوني لواحدة من أهم العواصم العربية. وتوالت الهزائم والنكبات باجتياح الكويت ثم احتلال العراق أخيراً. هزائم تجسد انهيار المشروع القومي وتعبِّر عنه. هذا الانهيار أنتج أصوليات دينية وقومية وعرقية بغيضة، تحمل فكراً متعصباً وعنفياً لا يكف عن أخذ مجتمعاتنا رهينة للتخلف والتقاتل، في غياب ثقافة الحوار والتسامح والمساواة. يحدث هذا في ضوء الردة التي حدثت بعد زمن من الانخراط المحموم في الحداثة وفي حركات التحرر الوطني العلمانية، ولكن السؤال اليوم هو: لماذا نبتعد عن الحداثة ونتجه إلى الأصولية؟ في رد على هذا التساؤل يقول الباحث والمفكر الدكتور مصطفى حجازي إن السبب يمكن أن يتمثل في خيبة الأمل الكبرى، الإحساس بالفشل والضياع وفقدان الهوية، وانسداد آفاق المستقبل وما يحمله من تفاقم المأزق الوجودي. كما يتوقف عند تراكم هائل لرأس المال، وهيمنة هائلة للإعلام، حيث تنتشر قيم اقتصاد السوق وسلب المكتسبات الاجتماعية والتربوية والصحية، وسادت عملية ترويج ثقافة تلبية الشهوات والرغبات، التي أدت بصورة أساسية إلى اختزال البشر في الاستهلاك. هذا إضافة إلى قضايا التلوث البيئي وما تشكله من مخاطر على حياة البشر. وإذا كانت هذه قضايا تمزج المعيشي بالوجودي، فإن قضايا مثل التبعية التكنولوجية والاقتصادية والإعلامية باتت تشكل احتقاناً روحياً يقود بالضرورة إلى العنف والرغبة في تحطيم صورة الذات غير المقبولة. وفي ظل حياة استهلاكية باتت الحاجة ماسة إلى البعد الغيبي في مواجهة الماديات.. وصار البحث عن معنى يتجاوز الوجود المادي سمة أساسية للإنسان في عالمنا كله عموماً، وفي عالمنا الثالث خصوصاً، حيث ذهبت أحلام التنمية والحرية والديمقراطية أدراج العولمة المتوحشة، وكذلك ذهبت نداءات العولمة العادلة أمام عواصف الصحراء والهيمنة على الثروات في العالم الجديد. يمكن أن يحدث هذا في دول حققت قدراً من التنمية الاقتصادية/ المالية، وقدراً من الثراء والرفاهية لمواطنيها، ولكن ما الذي يمكن أن يحدث، أو هو يحدث فعلاً في الدول الفقيرة والمتخلفة، حيث يشاهد المواطنون البؤساء فيها يشاهدون ويسمعون ما يجري في العالم من حولهم؟ في العالم الذي بات قرية صغيرة لا يمكن إخفاء ما يجري فيه؟ سيشعر هذا الفقير بأنه يفتقر إلى كل حقوقه في الحياة، من حق العيش وإشباع الحاجيات الأساسية، علاوة على حقوق التعليم والصحة والتعبير وغيرها. شعور سيخلق الحقد تجاه من يجمعون الثروات بطريقة لا ترى بؤس البؤساء، ولا تعترف بأية قيم إنسانية، لا تعترف سوى بقيم اقتصاد السوق والحياة الاستهلاكية. فكيف يمكن أن يتصرف مثل هذا الإنسان، خصوصاً حين يجد جماعات تقدم له حلماً بحياة أفضل، سواء كانت حياة على الأرض أم حياة في السماء؟ هناك جماعات دينية تقدم له الجنة على طبق لا يكلفه سوى بعض العبادات ثم تفجير نفسه في مجموعة من "الكفار"، وهذا كافٍ للحصول على صك الغفران والتذكرة إلى الجنة، وما دام هذا الشخص يائساً ولا يملك شيئاً فهو لن يخسر شيئاً. الأمر نفسه يمكن أن تقدمه جماعات أصولية قومية، فهي تقدم لأنصارها أحلاماً (بل أوهاماً) حول البطولة والتضحية، ما يدفع بالشباب تحديداً إلى الاستجابة لمثل هذه الشعارات، والإقبال على هذه الحركة أو تلك، الأمر الذي يجعل حياتنا العربية محاطة بمثل هذه الأصوليات المتعصبة، ويحرمنا من طاقات مهمة، خصوصاً أن الأمر كثيراً ما يتعلق بحملة شهادات عليا، وبتخصصات مهمة يمكنها أن تنتج الأفضل، ما يجعلنا نرى الخسارة مزدوجة، فنحن نخسر طاقة لا يتم تعطيلها فقط، بل يجري توظيفها في الاتجاه المعادي. كل ذلك يتطلب مراجعة شاملة لهذه الظاهرة، مراجعة تتطلب جهود الأفراد والمؤسسات، المفكرين والمثقفين والإعلاميين، وبالتأكيد جهود المسؤولين الذين عليهم وضع التشريعات والأنظمة التي تحد من حالات الفقر، وتضع حداً للفوارق المذهلة في حصول الناس على حقوقهم، وتوفر العدالة والمساواة والحريات... الخ. ومن دون هذه الجهود سنظل مأزومين ومهزومين ولا ننتج سوى الأصولية والاستهلاك وجماعات "الإرهاب".