مرَّ خبرُ زيارة خبراء إسرائيليين لإيران -قبل فترة- مرور الكرام على وسائل الإعلام العربية. حيث ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن (ثلاثة مهندسين إسرائيليين زاروا طهران سراً من هولندا؛ بجوازات سفر أو بطاقات خاصة لم تشر إلى جنسيتهم الإسرائيلية". وكشفت الصحيفة الإسرائيلية أن الوفد قد "ذُهلَ لفارق الخطاب العدائي الإيراني لإسرائيل؛ مقارنة بالتعاون التجاري بين إيران وإسرائيل؛ والذي يُقدر بملايين الدولارات، ناهيك عن الحفاوة التي استُقبل بها الوفد "ولم نشعر للحظة واحدة بعدوانية تجاهنا" هذا ما قاله الوفد الإسرائيلي العائد من طهران) جريدة "الحياة" 24/4/2006. ماذا يمكن أن نفهم من هذا الخبر؟! هل هو "مدسوس" وأن الصحيفة الإسرائيلية قد اختلقته لأسباب صحافية؟! ونحن نعلم أن حرية الصحافة في إسرائيل أكبر بكثير من تلك الموجودة في دول العالم الثالث. تماماً كما هو التزام صحافييها بالمهنية، بغض النظر مع اختلافنا مع الكيان الصهيوني وتصرفاته الرعناء في احتلال بلادنا العربية ومضايقته لشعبنا العربي في فلسطين! قد تكون وسائل الإعلام الإيرانية "كذّبت" الخبر ولم يصلنا! ولا ندري كيف وصلنا خبر الصحيفة الإسرائيلية؛ ولم يصلنا خبر "تكذيب" الخبر إن حَصل؛ رغم قِصَر المسافة بيننا وبين طهران أو "بوشهر"!؟ وإذا ما حاولنا تصديق الخبر المذكور "بحذر" ودون اندفاع؛ فهذا يحتم علينا مراجعة المواقف الإيرانية المبدئية من القضايا العربية والإسلامية. ولعل أهم هذه المواقف مناصرة إيران لـ"حزب الله" في جنوب لبنان والذي يتصدى للتصرفات والانتهاكات الإسرائيلية لذلك البلد العزيز. وكذلك دعم إيران لحركات المقاومة في فلسطين. وذلك شأنٌ حميد وينطلقٌ من شعور إيران بعدالة قضية المسلمين والعرب؛ ومقدساتهم؛ وعلى رأسها القدس الشريف. وثالث المواقف: دعم إيران لسوريا وسياساتها في المحافظة على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني؛ وضرورة تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بعدوان إسرائيل على البلاد العربية عام 1967؛ وإعادة كامل الجولان السورية وغيرها من الأراضي العربية لأهلها. ورابع المواقف هو: وقوف إيران على الدوام ضد الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني سواء كان ذلك عبر الأمم المتحدة؛ أم باقي التجمعات الدولية. فإذا كانت تلك هي المواقف الإيرانية؛ فنحن نستغرب أن تستقبل إيران "سراً" وفداً إسرائيلياً -ولو ببطاقات غير إسرائيلية- لتستفيد من "الخبرات" الإسرائيلية في مجال (إعادة البنى التحتية للمناطق التي ضربها زلزال) قبل سنوات؟! والسؤال الذي يقفز إلى الذهن هنا؛ ألا يوجد بين علماء العالم -من البرازيل وفنزويلا وحتى طوكيو وشنغهاي وحتى مصر وإيطاليا-من يمكن أن يساعد إيران في ذلك الشأن "غير المُعقد"؟! لماذا يتم استقدام إسرائيليين لذلك الموضوع غير الدقيق وغير المُلح وغير الخطير جداً؟! إذن نحن أمام نظرية جديدة.. ولنقل إنها نظرية "المؤامرة" تجاه التصرفات الإيرانية التي تبدو متناقضة مع المنطق؛ أو مع ما تعلنه طهران من مواقف؛ وما يجري تحت الطاولة!! الواقع يقول: إن إيران ليست بحاجة إلى خبراء إسرائيليين لبحث آثار الزلزال؛ ويكفيها ما لديها من خبراء في هذا المجال!؟ كما أن هذا الموضوع ليس محل إلحاح شديد هذه الأيام. واستتباعاً لنظرية "المؤامرة" فإن إيران بحاجة إلى خبراء في مجال آخر أكثر إلحاحاً هذه الأيام!؟ ولا نعتقد أن هذا المجال قريب من حماية عرب الساحل من العُقد النفسية المتعلقة بسوء أحوالهم؛ ولا هو قريب من وقف تسلل المُهربين من جيران إيران بالمسموح والممنوع في آن ٍ واحد! ولا نعتقد أن هذا المجال متصلٌ بشبكة الطرق العملاقة التي تربط المدن الإيرانية؛ لأن الإسرائيليين بارعون في إقامة الجدران "العازلة" على الأرض. إذن توصِلنا نظرية "المؤامرة" إلى طريق واحد لا ثاني له؛ وهو التعاون في المجال النووي!؟ قد يبدو في الأمر تجنياً على واقع الأحداث.. أجل؛ لكننا ننطلق ونحن مأخوذون أو "مُستحوذون" Possessed بنظرية المؤامرة. لذلك لا نجد من تبرير لتلك الزيارة إلا التعاون في المجال النووي؛ وهو الملف المفتوح حالياً في كل عاصمة في الشرق الأوسط؛ وفي كل فضائية وفي كل مجلس. وعلى الجانب الآخر؛ هل الولايات المتحدة لا تعلم بسفر الوفد الإسرائيلي؟! وبنظرية "المؤامرة" أيضاً نجزم بأن أي تحرّك إسرائيلي في المنطقة لابد وأن يتم التنسيق بشأنه مع أميركا؛ حتى لو كان المتحركون غير الإسرائيليين!! إذن ماذا تخفي إدارة بوش؟ لقد أعلن مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي يوم 28/4/2006 أن إيران لم تتعاون مع الوكالة؛ ولم تلتزم بالمهلة التي مُنحت لها لوقف عمليات تخصيب اليورانيوم؛ مما يفتح احتمال فرض عقوبات عليها؛ وهو ما يتأهب الرئيس الأميركي بوش لسماعه؛ حيث أعلن أن "رغبة إيران بامتلاك أسلحة نووية هي رغبة خطيرة" في الوقت الذي أعلن فيه السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة أنه سيسعى "لتبني مجلس الأمن لمشروع قرار يُلزم إيران قانونياً بتجميد عملياتها لتخصيب اليورانيوم"؛ ذلك القرار الذي سارع إلى رفضه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قائلاً: "إن إيران ستصبح بسرعة قوة عظمى"؟! وإشارة إلى قرار الأمم المتحدة؛قال الرئيس الإيراني: "إن الإيرانيين لا يأبهون لهذا النوع من القرارات". ويوم العاشر من شهر مايو 2007 حذرت الولايات المتحدة إيران من الانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي؛ داعية إلى استخدام الجزرة والعصا مع طهران. وفي باريس رأت الباحثة الفرنسية "تيريز ديلبيش" في كتاب لها بعنوان "إيران..القنبلة واستقالة الأمم" أن بإمكان إيران "إنجاز سلسلة رائدة من ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي في نهاية السنة في منشأة (إعلان صادق)؛ موضحة "أن هذه المنشأة يمكنها التخصيب الضروري لصنع سلاح نووي في غضون عام تقريباً". وحتى نشر هذا المقال؛ ستكون هنالك أحداث كثيرة قد طرأت ومواقف عديدة برزت. لكن ما يهمنا هنا هو السياسة الإيرانية التي "تعلنها" طهران من حيث معاداة الغرب وربيبته إسرائيل؛ وحرص إيران على وحدة الصف الإسلامي؛ والوقوف مع المسلمين والعرب على خط المواجهة مع إسرائيل حتى تعود الحقوق لأصحابها؛ وبين التصرفات الإيرانية المتناقضة مع تلك الإعلانات؛ ومن بينها احتلال أراضٍ عربية، ومساندة بعض الفرقاء في العراق -ما يزيد في محنة العراقيين ويشتت جهودهم في الوحدة والاستقلال والسيادة- وتهديد دول الجوار؛ بالإضافة إلى الاعتقاد الخاطئ بأن امتلاك إيران للسلاح النووي سيجعل منها "قوة عظمى"! نحن نود أن نسمع تكذيباً للتعاون الإيراني- الإسرائيلي. ونطمح لتعاون إيراني/ عربي سواء في مســألة إعادة الأمن إلى ربوع العراق الجريح؛ أو تسوية النزاعات حول الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وعدم التهديد باستخدام "الورقة الطائفية" لبث الفتنة الطائفية في دول الجوار. نحن نود لإيران أن تتطلع إلى المستقبل؛ وهذا حقها، ولكننا لا نستطيع أن نقطع خليجنا إلى جزأين ونبحث عن مكان آمن ٍ نضع عليه هذا الخليج؛ والذي إن تسرّب فيه نصف كيلو من أية مادة سامة أو بقايا نفايات نووية يمكن أن يقضي علينا جميعاً!؟ لذلك؛ فإن حرصنا على سلامة الأراضي والشواطئ الإيرانية هو ذات الحرص على سلامة الأراضي والشواطئ العربية. وهذه السلامة طريقها الحوار العقلاني وليس "مناجزة " الدول العظمى؛ أو محاولة إسقاط الدور "العظيم" على طاولة اللعب.