الولايات المتحدة الأميركية لا تريد فقط أن تستعمر الحاضر ولكنها تسعى بقوة إلى استعمار المستقبل! ونعني بذلك أن تشكل مستقبل الإنسانية جمعاء وفقاً لنظرتها للعالم، وهي نظرة تنطلق من مسلَّمة بسيطة وإن كانت بالغة الخطورة، وهي أن أميركا هي صانعة الوجود الإنساني، بحكم إرادة الله ومنطق التاريخ! هكذا صاغ المفكر الباكستاني المعروف المقيم في بريطانيا "ضياء الدين سردار" في عبارة موجزة المنطق الكامن وراء اتجاه "الوحدانية" الأميركية، الذي ينزع إلى أن تكون الولايات المتحدة الأميركية هي القوة الوحيدة التي تسيطر على مصائر العالم في السياسة والاقتصاد والثقافة. تعرفت على فكر "ضياء الدين سردار" منذ سنوات بعيدة، حين كنتُ في زيارة إلى لندن واكتشفت أن له كتاباً بعنوان "مستقبل الحضارة الإسلامية" ولفتت نظري ثقافة المؤلف الموسوعية ومنهجه الإبداعي في مناقشة موضوع تقليدي إلى حد ما تعودنا على أن يعالجه الكتاب العرب والإسلاميون بطريقة إنشائية فجَّة، تدعو بكل بساطة إلى استرداد الفردوس المفقود، الذي مثلته الحضارة الإسلامية في عصر ازدهارها المبهر، الذي قاد الفكر الإنساني في ميادين الفلسفة والعلوم على وجه الخصوص. لقد حاول ضياء الدين سردار تطبيق منهج "تحليل النظم" System analysis بطريقة خلاقة في المجال الحضاري والثقافي. غير أنني فوجئت أنه -بالرغم من سعة معارفه في كل فروع العلم الاجتماعي- ينتهي في خاتمة الكتاب بالدعوة إلى مشروع أطلق عليه مشروع "العمران" مقتبساً المفهوم من ابن خلدون. واندهشتُ حين اكتشفت أن لبَّ المشروع هو استعادة مجتمع "المدينة" أيام الرسول صلى الله عليه وسلم. وكانت المفارقة هي الفرق الجسيم بين المعالجة العلمية الرصينة لأمراض المجتمعات الإسلامية المعاصرة، والرؤية اليوتوبية (الخيالية) لإنشاء مجتمع إسلامي معاصر على غرار مجتمع "المدينة"! ثم أتيح لي من بعد أن أتابع "سردار" في كتاب آخر ملفت عن "الإسلام وما بعد الحداثة" أثبت فيه المؤلف مرة أخرى استيعابه العميق لأحدث النظريات الفلسفية الغربية، واجتهاده لتكييف الفكر الإسلامي مع تيار ما بعد الحداثة، الذي وجه نقداً عنيفاً لمشروع الحداثة الغربي الذي قام المجتمع الصناعي الرأسمالي الأوروبي على أسسه المعروفة، وهي العقلانية والفردية والاعتماد على العلم والتكنولوجيا وتبني نظرة خطية Linear في تقدم التاريخ الإنساني. وقد بعدت بي الشقة عن متابعة كتب سردار المتتابعة التي أصبحت من معالم الفكر المعاصر. غير أنني -لأمر ما- وأنا في فترة راحة وأنا أتابع على شبكة الإنترنت موضوع التطرف الإيديولوجي الذي كنت مشغولاً بتأصيله، ظهرت لي على الشاشة مقالة بالغة الأهمية كتبها "سردار" بعنوان "الأسباب التي تدفع إلى الوحدانية" ويقصد اتجاه الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها القوة الأعظم والأوحد في العالم، إلى أن تنفرد بتقرير مصير الجنس الإنساني في القرن الحادي والعشرين. وقد استطاع "ضياء الدين سردار" أن يتفوق على كل المفكرين الغريبين النقديين بما فيهم الأميركيون في تفسير القوى الدافعة وراء نزعة الهيمنة الأميركية المطلقة. ويرد ذلك إلى أن هذا المفكر النقدي الموسوعي قد وضع للتفسير إطاراً معرفياً متكاملاً، لأنه كما عبر بشكل فلسفي منهجي عميق قد رد ظاهرة "الوحدانية الأميركية" إلى أربعة أسباب كبرى وهي أسباب كونية Cosmological، وأنطولوجية (معرفية) Ontological، ووجودية existential، وتعريفية Definitional. يقرر "سردار" أنه في التفكير الكوني التقليدي فإن الله سبحانه وتعالى هو سبب كل شيء. ومن قبيل التشبيه يمكن القول إنه في عالمنا الذي هيمنت عليه العولمة فإن الولايات المتحدة الأميركية أصبحت هي السبب المنشئ لكل شيء! فليس هناك شيء يمكن أن يتحرك في العالم إلا برضا أميركا، وليست هناك مشكلة يمكن حلها إلا عن طريقها. فهي فقط التي يمكنها حل الصراع بين فلسطين وإسرائيل، وهي التي حلت المشكلة بين الهند وباكستان والتي دارت حول كشمير، وهي التي بتدخلها في شمال أيرلندا توصلت إلى حل سلمي بين الطرفين المتنازعين، وبغير مصادقة أميركا على معاهدة "كيوتو" لضبط المناخ العالمي فإنها ستصبح لا معنى لها، وبغير الموافقة الأميركية لن يتحرك شيء في منظمة التجارة العالمية أو في البنك الدولي. وحتى بالنسبة للأمم المتحدة بغير أميركا لن تكون أمماً متحدة! بعبارة موجزة -على المستوى الكوني- أميركا هي السبب المنشئ، وهي السبب الذي يدفع الأشياء في مجال الحركة. ومعنى ذلك أن أميركا لم تعد مجرد قوة عظمى بالمعنى التقليدي للكلمة، ولكنها أصبحت أول قوة مسيطرة عالمياً في التاريخ، وذلك بحكم قوتها العسكرية التي فاقت القوة العسكرية لكل الإمبراطوريات مجتمعة التي وجدت عبر التاريخ. وقوتها التي تبسطها على الكون كله، امتدت لتهيمن على المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وقد تسربت ثقافتها إلى كل الروافد الثقافية في العالم. ولو رجعنا إلى التاريخ لاكتشفنا أن الإمبراطوريات الرومانية والبريطانية والأسبانية لم تضع حدوداً لقوتها المادية، غير أن إيديولوجياتها الإمبراطورية استطاعت أن تهيمن وتضبط حركة الشعوب الخاضعة لها. وقد بسطت أميركا هذا الوضع ولم تقنع -كما قلنا في البداية- باستعمار الحاضر ولكنها تسعى أيضاً لاستعمار المستقبل! والهيمنة الكونية لأميركا تمتد لتشمل الهيمنة على المكان والزمان. ولذلك فالولايات المتحدة الأميركية مشغولة الآن بإعادة كتابة التاريخ، من خلال تغيير مادة الحياة ذاتها، أو بمعنى أدق تكويننا البيولوجي ذاته، من خلال فتوحاتها العلمية وابتكاراتها التكنولوجية. بل إنها من خلال تكنولوجيات فائقة الحداثة تتحكم في المناخ العالمي، وتستعمر الفضاء الخارجي، بحيث يمكن القول إنها تتحكم في تطور مبادئ إنسانية متعددة. ووضعاً لكل ذلك في الاعتبار، فإن وضعها الكوني الذي وصفناه ينعكس بالضرورة على سلوكها السياسي، الذي يترجم في الواقع غرور القوة، وينبع من الحذلقة التي تجد مصدرها في الإحساس بأنها سبب كل شيء في العالم. أما الأسباب المعرفية للأحادية الأميركية يمكن ردها إلى شعور قوي غلاب بأن الولايات المتحدة الأميركية تمثل الكمال في أرقى صوره. فإذا كان الإرهابيون أشراراً فإن أميركا هي رمز الخير. والعالم مقسم في الرؤية الأميركية إلى "محور الخير" الذي تتصدره هي و"محور الشر" الذي يتضمن أعداءها مثل كوريا الشمالية وإيران والعراق قبل غزوه عسكرياً. ويمكن القول إن الإحساس الأميركي بالكمال المطلق يعد حجر الزاوية في الأساطير المؤسسة لأميركا. ولما كانت تشكل مجتمعاً من المهاجرين فقد ثبتت اليقين لديهم بأنهم تركوا بلاداً سيئة وجاءوا ليبنوا المجتمع الذي يمثل "آخر أمل من آمال الإنسانية في الرقي والتقدم" حسب عبارة إبراهام لنكولن المشهورة. وقد أصَّل الآباء المؤسسون لأميركا حق الأميركيين في الغزو وتملك "الأراضي العذراء" باستخدام العنف والقوة، باعتبار ذلك تحقيقاً للعدل الذي سيسمح للحضارة الأميركية بأن تنمو وتتقدم، وهكذا يمكن القول إن استخدام العنف لتحقيق أهداف المجتمع الأميركي كما تدركها نخبته السياسية الحاكمة في لحظة تاريخية ما جزء أساسي من النظرة الأميركية للعالم! وهناك أسباب أخرى وجودية وتعريفية شكلت الظاهرة الأميركية.