ما الذي يعنيه أن تقوم مؤسسة "جالوب" الشهيرة باستقصاء لتوجهات عيّنات من مواطني عشر دول عربية وإسلامية فتجد أن ما بين خمس وثمانين وخمس وتسعين في المئة ممّن شملتهم الدراسة أكّدوا إيمانهم بالديمقراطية كأفضل نظام سياسي في العالم، وأنهم بالتالي يريدونها نظام حكم في بلدانهم؟ يعني ذلك أنه لم تعد ثمة من حاجة إلى التركيز على محاولة إقناع المواطن العربي بأهمية الانتقال إلى الحكم الديمقراطي؛ فالاقتناع حاصل بالفعل، وجهود السنوات القليلة الماضية قد حقّقت هدف حملات الإقناع. وعليه فقد أصبح لزاماً على منابر المناداة بالديمقراطية أن تنتقل إلى مهمّة أخرى، مهمّة الحفر والتدقيق والتعمُّق في كيفيّة ووسائل انتقال المجتمعات العربية إلى الديمقراطية. وهنا لن تكون المهمّة سهلة، فالاختلافات حولها كبيرة وأحياناً عبثيّة. فهناك، أولاً، الاختلاف حول الأولويات في قائمة المنطلقات الأساسية في عملية الانتقال إلى الديمقراطية؛ إذ ثمة من يعتقد أن الأولوية هي للتثقيف الديمقراطي في البيت والمدرسة ومن خلال الوسائل الإعلامية، وذلك حتى يتعلم المواطن كيف يمارس السلوك الديمقراطي في كل المؤسسات التي ينتمي إليها، عائلية كانت أم مهنية أم غيرها من باقي مؤسسات المجتمع. إن هؤلاء يعتقدون أن تعلم الثقافة واكتساب الممارسة، هما المدخلان لعملية التحوّل الديمقراطي. لكن هناك أيضاً من يرى الأولوية في تواجد قوى منظمة من الديمقراطيين المهيئين لممارسة النضال والفعل السياسي المستمر والمتنامي والمرن في أشكاله ومستوياته والهادف لتحقيق انتصارات تراكمية لكل مكوّن من مكونات النظام الديمقراطي (الحريات الفردية والعامة، والانتخابات النزيهة، وفصل السلطات، وتداول الحكم، وعدالة توزيع الثروة، وحكم القانون، والتساوي في حقوق المواطنة...). ويشير هؤلاء إلى أن تاريخ الانتقال نحو الديمقراطية، عبر مسيرة كل المجتمعات البشرية، لم يكن نتيجة لجهود مؤسسات التعليم والتثقيف، رغم أهمية العلم والثقافة في إقناع المجتمعات وتهيئتها، وإنما كان نتيجة لجهود قوى احتضنت المسألة الديمقراطية وحاربت مضحية في سبيلها، لتحقق انتصارات حاسمة على أعداء الحرية. وهناك، ثانياً، الجدل الذي لا ينتهي حول قابلية أو عدم قابلية هذا الفريق السياسي أو ذاك لاحتضان المشروع الديمقراطي والنضال من أجله. فثمة من لا يزال يصرُّ على أن القوى السياسية ذات الإيديولوجيات القومية أو اليسارية الماركسية أو الليبرالية، هي وحدها المرشّحة للنهوض بذلك المشروع. بينما يصرّ هؤلاء على أن القوى السياسية الإسلامية غير مهيأة ولا قابلة لتحمل تلك الأمانة. وبالطبع ينسى هؤلاء أن أبشع الديكتاتوريات الدموية ارتكبت في عهد ستالين باسم الماركسية، وفي عهد هتلر وموسوليني باسم القومية، وفي عهود الاستعمار باسم الليبرالية. ويتجاهلون أيضاً تلك الكتابات الرّزينة التي أظهرت عدم تعارض الإسلام مع المكونات الرئيسية للديمقراطية وتداول السلطة والانخراط ضمْن العملية الديمقراطية في كثير من الأقطار الإسلامية. وها هو استقصاء مؤسسة "جالوب" أيضاً يبرِزُ أنّه في حين أن أغلبية عينة الاستقصاء تريد الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد أو رئيسي للتشريع في مجتمعاتها، فإن تلك الأغلبية أيضاً لا تريد دولة يحكمها أو يسيطر على حياتها السياسية رجال الدين. كل ذلك يفتح المجال على أهمية أن تتمثل جميع الأطياف والقوى في الحركة من أجل الديمقراطية، فالتيّار المطلوب هو تيار تاريخي قوي وواسع وقادر على النهوض بمهمة طال انتظار حسمها ولم تحسم إلى الآن. ومثل هذه الاختلافات التي ذكرنا بعضاً منها، ستحتاج المنابر الديمقراطية أن تتعامل معها وتحمسها لكي لا يدور السجال الديمقراطي حول نفسه سنين طويلة أخرى. وفي قلب ذلك الحسم، مناقشة بناء القوى الديمقراطية، على المستويين الوطني والقومي، والتي بالطبع ستحتاج أن تعزّزها وتدعمها خطوات التثقيف والتعليم والتّقنين... وغيرها من الخطوات التي هي لباس لجسم القوى الديمقراطية ولكنها لا تحلّ محل ذلك الجسم.