في مونتريال الكندية حيث ينفجر الربيع فجأة، خلال أيام في خضرة ساطعة تحتل الشبكية بإصرار، قال لي صديقي "أحمد صالح"، ونحن نمشي في شارع "شيريبروك" الشهير، هل سمعت بخبر العربية؟ قلت له: لا! هز رأسه وعقّب: إنه الجنون بعينه؟ قلت عن ماذا؟ قال قصة رضاع المراهق، والذي بموجبه يمكن حل مشكلة الخلوة بين رجل وامرأة، فليس عليه سوى مص ثديها لتحرم عليه؟ لقد جاء هذا في حديث وفتوى من رجل أزهري؟ ولقد بلغ عدد التعليقات ما يزيد عن 1600 تعليق. هززت رأسي لأن القصة ليست جديدة عليّ، فقد قرأتها في كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة" لصديقي "عبد الحليم أبو شقة" الذي كان يحمل أكداسا من كتب الصحاح والتفسير، أثناء زياراته المكوكية لي في ألمانيا، فيأنس بالثلج والبرد وغيوم السماء، وتقوم زوجته "ملكة" التي ترافقه كملكة وملاك رحمة، تعد له فنجانه المفضل من القهوة، ثم ينكب على مشروع القرن في تحرير المرأة المسلمة من جديد... لقد استفدنا من ذلك الرجل كثيراً، والذي قال "الغزالي" عن كتابه، إنه كان يجب أن يصدر قبل قرن، وهو كتاب لم تعن به "الانفوميديا" المشغولة بدجل السياسة ومغامرات رجال الحكم والمال. كان "أبو شقة" رحمه الله يكرر بدون ملل: ما أفعله أنا هو سرد النصوص ومواجهتها فقط، ولسوف نعثر على كنز غارق في بحر لجي، مذكراً بقول العالم الأميركي "جيلبرت" الذي كان يتحدث مثل الصوفيين عن مشروع "الجينوم البشري" قبل وصول الجني "فينتر" إليه وانتشاله! لقد لفت نظري حديث "رضاعة المراهق" من يومها، عن شاب أرادت صحابية قريبة له أن تحل مشكلة الخلوة معه، وكان من الطوافين عليهم أقرب للمحارم، فذكر الحديث حلاً جريئاً وواقعياً يفهم في ضوء أنثروبولوجي وتاريخي معين، ولم يكن الحديث الوحيد. وحين كنا نذكره للبعض كان تعليقهم إنه قبل نزول كذا وكذا من الأحكام؟ وهو أمر وارد، وعكسه وارد، وهذه هي أزمة الفكر السلفي في عمومه، وأسميها أنا المتحارجات الثلاث أو النكبات الثلاث. فالفكر السلفي حين اعتمد الحديث وركز عليه -بحسن نية- عطل القرآن من حيث لا يشعر، وبذلك نحي الدستور الأساسي، وهم بالطبع لا يعترفون بذلك، ولكنهم يقولون بلغة مختلفة إن الحديث شارح للقرآن وموضح له، وأحياناً ناسخ له! وهذا يصل إلى المفهوم الذي قلناه. والنكبة الثانية هي جدلية العقل والنقل، فطالما كان النقل هو الحكم، فقد تعطل العقل تلقائياً، وهذه مشكلة المشاكل في الفكر الإسلامي الحديث، وقد شرحتها أنا بتفصيل في كتابي "النقد الذاتي" عن مفهوم الصحابي والعقل والنقل، وأن النصوص لا تفهم بذاتها، بل بأدواتها المعرفية. والمثل على ذلك لو أن صربياً يقرأ نصاً باللغة الصينية، فلن يفهم منه حرفاً، ما لم يكن متقناً للغة الصينية. ولا يكفي هذا، بل الإحاطة بالمصطلحات والتاريخ واستخدام أدوات مساعدة شتى، مثل دخول الجراحين على بطن المريض لإزالة ورم، فهم بحاجة إلى علبة جراحية كاملة، بدءاً من موسعات البدن وانتهاءً بالملاقط والخيوط المناسبة والجهاز المخثر وما شابه. وهو أمر لا يعترف به الفكر السلفي جملةً وتفصيلاً، إذ يرى التاريخ على صورة مقلوبة، وهو أمر فوجئت به مرة بعد أخرى في مناقشتهم التي لا يخرج منها المرء إلا بالإحباط والأسى وأحياناً العداوة، بسبب التكفير الذي يناله منهم في مناقشتهم!