بدأت مصر جلسات الحوار مع الفصائل الفلسطينية. ولدى مصر هدفان: إنهاء الانفلات الأمني الداخلي من ناحية، وإنهاء العمليات الثأرية بين الفلسطينيين وإسرائيل تمهيداً لإطلاق العملية السياسية حول حل القضية الفلسطينية من ناحية أخرى. ويبدأ الحوار مع كل فصيل على حدة، ثم ينتهي بجلسات عامة بين الفصائل الكبرى. أدخلت الدبلوماسية المصرية أسلوباً جديداً تماماً في الحوار، هو البدء بفهم ما يجري من منظور كل فصيل على حدة. وبالتالي بدأت بتوجيه أسئلة للفلسطينيين حتى تصل لفهم شامل لما يجري على الصعيد الفلسطيني الداخلي وعلى صعيد العمليات العسكرية الثأرية مع إسرائيل. ومن العدل أن نوجه التحية للدبلوماسية المصرية واهتمامها برأب الصدع في صفوف الفلسطينيين وعلاج تمزقاتهم. ومن العدل أيضاً أن نقدر هذا التجديد الدبلوماسي الذي قد يمكن الجميع من فهم متبادل لمنظور كل فصيل. فلهذا الأسلوب دلالة ذكية وصحيحة وهي أن الحقيقة ليست في موقف أي فصيل على حدة. إن كل فصيل لديه "قضية عادلة" و"وجهة نظر" مقبولة ولكنها جميعاً ناقصة: لأنها لم تستمع جيداً لوجهات النظر الأخرى. ما ينقص الدبلوماسية المصرية هو أن تكوّن بنفسها فهماً موضوعياً كاملاً لما يجري في المجتمع وفي الوجدان الوطني والمجتمعي الفلسطيني. وبدون هذا الفهم سيجري الحوار في فراغ سياسي ودبلوماسي، بل وفي ظل فراغ فكري خطير. ما نعنيه بالفراغ الفكري هو أن الدولة المصرية ليس لديها تحليل فكري وسياسي وثقافي للتمزقات الفلسطينية في اللحظة الراهنة. يشكل الفراغ الفكري إذن أحد أهم العوامل المعيقة لحوار فلسطيني ومصري- فلسطيني فعال ومفيد. فهناك من العوامل والرؤى ما يغيب عن الفلسطينيين أنفسهم بكل فصائلهم. فالثقافة السياسية الفلسطينية مثلها مثل الثقافة السياسية العربية، ليس لديها فهم "احترافي" للسياسة وللصراع. وقد شكّل هذا النقص أحد أهم أسباب الهزائم المتوالية، لا في الحروب والساحات العسكرية فحسب، بل على المستوى السياسي والدبلوماسي أيضاً. وقد اعترفنا بهذا النقص منذ هزيمة 1967 عندما أدركنا أننا سقطنا في فخ الحرب مع عدو لا نعرفه. ومع ذلك فلا زلنا نصارع هذا العدو دون أن نعرفه جيداً ودون أن نعرف الطريق إلى الحسابات الإحترافية الضرورية لكسب الصراع ضده. ويشكل الفراغ الفكري فيما يتعلق بفهم ما يجري على الساحة الفلسطينية منذ عام 2000، أحد أهم أسباب استمرار الحيرة والفشل في إدارة الصراع مع إسرائيل، بل وفي إنقاذ الفلسطينيين لأنفسهم من التمزقات الداخلية. يجب أن نبدأ الحوار على المستوى الفلسطيني بفهم "احترافي" لأسباب التصدعات السياسية. نعني أن على الدبلوماسية المصرية والعربية عموماً، أن تكف عن النظر للصراعات والتصدعات الفلسطينية وكأنه انعكاس لمرض فلسطيني أو عيب متأصل في المجتمع الفلسطيني. بل يجب على "عقلاء" السياسة الفلسطينية أن يتوقفوا عن إدانة المجتمع السياسي الفلسطيني وهي إدانة نسمعها في الأحاديث الخاصة كثيراً، بما يعكس مستوى اليأس وغياب الفهم العلمي لإشكالية الصراعات السياسية في الداخل، سواء كنمط تاريخي أو في العامين الماضيين بالذات. فالتمزقات الفلسطينية لا تعود بالضرورة إلى الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين "فتح" و"حماس". فلو كان الأمر كذلك لانحصرت التمزقات بين هذين الفصيلين، بينما يؤكد الواقع أن المجتمع السياسي الفلسطيني يتصدع على نحو شامل وأوسع نطاقاً بكثير. فخلال السنوات القليلة الأخيرة، تنتشر العصب السياسية الصغيرة التي تتبنى أيديولوجيات ورؤى بعيدة كل البعد عن التراث السياسي والثقافي الفلسطيني. ومن ناحية ثانية فالصراع العسكري والسياسي المنفلت بين "فتح" و"حماس"، رغم خصوصيته، هو امتداد لصراعات داخلية كثيرة وكبيرة ومتواترة بين الفصائل منذ بداية عقد السبعينيات، وتحديداً مع خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وبقدر أكبر منذ توقيع اتفاق أوسلو. لقد وقعت هذه الصراعات بتأثير انسداد الأفق وانغلاق الأمل في الحصول على العدالة من ناحية، وعنف الإرهاب الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني من ناحية ثانية، والتغيرات العاصفة في التكوين السياسي لعدد لا بأس به من الدول العربية التي أخذت في ممارسة العنف والاضطهاد بحق الفلسطينيين، وخاصة اللاجئين في العراق ولبنان وبدرجة أقل الأردن، من ناحية ثالثة. يتعرض الفلسطينيون لعاصفة من العنف الذي يأتي من كل اتجاه، بحيث صار العنف المتبادل بين الفلسطينيين أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من ميكانيكية العنف الواقع عليهم من خارجهم. نشأ هذا الواقع الافتراسى العجيب وبالغ القسوة عن حقيقة أن الفلسطينيين يناضلون وحدهم وبدون أدنى مستويات الإسناد العربي، عسكرياً وسياسياً ومعنوياً. فحتى الجماهير العربية كفت عن مواصلة دعم الانتفاضة الفلسطينية بتأثير اليأس والحيرة والعجز الرسمي العربي. يجب علينا أن نصل إلى "فهم احترافي" واضح واستنتاج غاية في البساطة والأهمية نتوه بدونه في علاج الموقف الفلسطيني الراهن. ببساطة لا يمكن للفلسطينيين وحدهم نيل حقوقهم بإمكانياتهم وقدراتهم وحدها، ضد عدو هائل يتجاوز في قوته مجموع الدول العربية المحيطة، عسكرياً واقتصادياً، بما يجبر أطرافاً دولية قوية على خطب وده على حساب الفلسطينيين. هذه الثورة الوطنية الوحيدة ليست في ظروف تسمح لها بالنصر في غياب إسناد سياسي عربي فعّال للغاية. وما حدث هو أن الفلسطينيين في ظروف الغدر والتخلي العربي كلّفوا أنفسهم منذ عام 2000 بمهمة يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، إنجازها وهو انتزاع تحررهم وحقوقهم بإمكانياتهم الذاتية وحدها وفي سياق دولي مختلف بل ومناقض لمعطيات الساحة الدولية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع حركة عدم الانحياز وبروز القطبية الأحادية وانقلاب مواقف عشرات الدول الجديدة والقديمة لصالح إسرائيل، وبصفة أخص دول أوروبا الشرقية بل وروسيا ذاتها، وتحولات الأجندة السياسية العربية ذاتها أيضاً. ونشأ عن ذلك أن الصراع يشتعل في غياب الحد الأدنى من التوازن أو التكلفة المقبولة. إن أهم سؤال احترافي يطرحه أي طرف في صراع على نفسه، هو: ما هي التكلفة المقبولة لتحقيق هدف ما؟ وتجيب الصياغة الدقيقة للاستراتيجية الوطنية في الصراع على هذا السؤال بصورة محددة. وبالمقابل فعندما انفجرت انتفاضة الأقصى عام 2000، لم يكن لدى الفلسطينيين إجابة بل ولم تتطور إجابة ما منذ ذلك الوقت على هذا السؤال المحوري. ومن ثم دخل الفلسطينيون الهدنة بوطأة الاضطرار وليس الاختيار الواضح لاستراتيجية بديلة. وكان حجم الضغط على المجتمع الفلسطيني هائلاً في ظروف غياب الأمل في تحقيق إنجاز وطني كبير وهو ما دفع هذا المجتمع للتصدع. ويكاد يكون هناك قانون "طبيعي" يقول بأن أي كائن حي يتصدع إن وقع تحت وطأة ضغط أكبر من قدرته على تحمله وحده. ولا شك أن الدبلوماسية المصرية تفهم ذلك جيداً، لكنها لم تصغ جيداً للاستجابة السليمة. فهي تطرح وقف الصراع العسكري مع إسرائيل، دون أن تتأكد من أن لديها حلاً يستعيد الحقوق الفلسطينية ولو في حدها الأدنى، وهو أمر غير مقبول بدوره. ومعنى ذلك أن استعادة "العملية السياسية" في الوقت الراهن، حتى لو كان ممكناً، لن يستعيد الحقوق الفلسطينية. واستمرار الصراع العسكري يضاعف الضغط غير الممكن تحمله من جانب الفلسطينيين في غياب الإسناد العربي. الإجابة الوحيدة الممكنة موضوعياً للسؤال الفلسطيني هو إعادة صياغة استراتيجية عربية لتحرير الشعب الفلسطيني وأرضه السليبة بقوة العرب أجمعين. إن غياب مصر الطويل عن ساحة الصراع العربي الإسرائيلي اختزل دورها في مساحة ضيقة للغاية ولا يمكنها أبداً تغيير المعادلات السياسية الحاكمة للصراع. المطلوب فعلا ليس الوساطة بين الفلسطينيين بفصائلهم المختلفة وليس الوساطة بين الفلسطينيين وإسرائيل. بل مراجعة السياسات والاستراتيجيات العربية في التعامل مع إسرائيل ومع الواقع الدولي المساند لها. المطلوب أن يعود الصراع عربياً إسرائيلياً حتى يمكن تحقيق "سلام عادل" يستعيد الحقوق السليبة للشعب الفلسطيني.