ثمة شيء من المراوغة في كل سياسي؛ ولكن أحياناً ثمة شيئاً من السياسة في كل مراوغ. وهو ما ينطبق على "جون إدواردز". فالأسبوع الماضي فقط، علمنا أن هذا الرجل تلقى 55000 دولار من أجل إلقاء خطاب بعنوان "الفقر: الموضوع الأخلاقي الأكبر الذي يواجه أميركا"، في جامعة "يو. سي ديفيس". غير أن الطلبة الفقراء الذين حضروا الخطاب كانوا مطالبين بدفع 17 دولاراً ثمن التذكرة!. وفي وقت سابق من هذا الشهر، قالت بعض المصادر إنه بالرغم من تنديد "إدواردز" بـ"الإقراض المفترس" للفقراء، إلا أنه جنى حوالي 500000 دولار أثناء عمله مستشاراً لمؤسسة مالية كبيرة تعمل في هذا القطاع. السيناتور "الديمقراطي" السابق دافع عن فعلته بالقول إنه قبل الوظيفة من أجل الإطلاع على مدى ارتباط الأسواق المالية بالفقر. ولكن، إليكم الجزء الأكثر إثارة للضحك: فقد زعم "إدواردز" أنه لم يكن يعلم بأن المؤسسة تعمل في مجال الإقراض. ولكن كيف يمكن أن تفوته معلومة كهذه إن كان هو هناك أصلاً من أجل الإطلاع على العلاقة بين الفقر والمؤسسات المالية؟ لابد أنه متعلم بطيء؛ ولا غرو في أن يلقبه مستشارُه السياسي السابق "بوب شرام" بـ"كلينتون الذي لم يقرأ الكتب". تفيد صحيفة "بيزنيس ويك" بأن "إدواردز" أسس مركزاً للفقر ينشط في المكتب نفسه الذي تعمل فيه لجنته السياسية. لكن اللافت هو أن المركز غير الربحي أنفق ما لا يقل عن 70 % من الأموال التي جمعها من التبرعات على جولة خطابية لـ"إدواردز" ورواتب الموظفين. قبل بضع سنوات، عندما تحدثت بعض وسائل الإعلام حول عشق "بيل بينيت"، وزير التربية الأميركي الأسبق، للقمار في لاس فيجاس، كتب الصحفي "مايكل كينزلي" يقول: "لقد تم الكشف عن الوجه الحقيقي لبينيت، وتبين أنه فنان دجال ينبغي أن يبعَد عن الساحة العمومية". وجدت أن ذلك أمر جائر في حق "بينيت" على اعتبار أنه لم يسبق له أن احتج على القمار، وأن كنيسته لا تعتبره إثماً. بالمقابل، يعد "إدواردز"، الذي يبدو متأثراً بالغ التأثر ودامع العينين حين حديثه حول "أميركيتين، وليس أميركا واحدة"، مخادعاً أكبر من "بينيت". قد تعتقدون أنه عندما ينظر "إدواردز" في مرآة واحدة من الحمامات الستة لمنزله الجديد والفسيح جداً ليرى ما إن كان الوقت قد حان لتسريحة شعر جديدة بـ400 دولار، فإنه سيشعر بوخز للضمير وهو المعروف بقولته "نحن مقابل هم". هذا لا يعني بطبيعة الحال بأنه لا يولي اهتماماً بالفقر؛ ومما لا شك فيه أنه لا عيب في كسب المال. إلا أنه من الواضح أن "إدواردز" أقنع نفسه بأنه لا يفعل شيئاً سيئاً. فقد جنى ثروته بفضل عمله كمحام. ثم إنه بارع في إقناع الناس، بدءا بنفسه، بأنه يفعل الخير. غير أن القصة التي يحكيها لرفع صفة النفاق عنه زائفة وغير حقيقية. فعلى سبيل المثال، ركزت حملته الرئاسية في 2004 على المنزل الصغير والمتواضع على أساس أنه المنزل الذي نشأ فيه "إدواردز". والحال أن المنزل الصغير المذكور كان منزل "إدواردز" إلى أن بلغ من العمر سنة واحدة. بعدها، رُقي والده في العمل، وانتقلت العائلة إلى منزل أغلى مما لم تظهره أبدا إعلاناتُه الانتخابية. الأمر لا يتعلق بكذب "إدواردز" من عدمه، وإنما بحقيقة أنه بائع متجول يقتنص -في ما يبدو- المواضيع، والحال أنه لا يقتنص إلا نفسه. عندما كان "إدواردز" يستعد لأول ترشح له للرئاسة، أشارت دورية "ناشيونال جورنال" إلى أن "سجله الانتخابي يضعه بعيداً على نحو مريح عن ليبرالي مجلس الشيوخ". واليوم وقد أصبح خارج السلطة –ومن المرجح أنه ما كان ليفوز في الانتخابات مرة أخرى لو أنه ترشح- يقدم "إدواردز" نفسه في صورة المناوئ للحرب. فالأسبوع الماضي مثلاً، أدلى بخطاب رئيسي حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة، استهزأ فيه بفكرة "الحرب على الإرهاب"، ووصفها بأنها ليست أكثر من "ملصق أو شعار". والحال أنه حتى عهد قريب، لم تكن لدى "إدواردز" مشكلة مع هذا المفهوم. فأثناء الحملة الانتخابية من أجل منصب نائب الرئيس إلى جانب جون كيري، خاض حملة على أساس أن العراق يصرفنا عن الحرب الحقيقية على الإرهاب. وقبل ذلك، صوَّت لصالح الحرب على العراق. يقول "شرام "في كتابه الجديد إن "إدواردز" صوت على الحرب ليس لأن إدارة بوش ضللته، وإنما لأن فريقه هو من فعل. أما "إدواردز"، فينفي بطبيعة الحال هذه الأمور. والواقع أنه حتى في الندوة "الديمقراطية" التي نظمت مؤخراً في "ساوث كارولاينا"، اعترف بأن الدرس الذي استخلصه من تصويته يتمثل في أنه في حاجة إلى "وضع المزيد من الثقة في أحكامي". وهو موقف يناسب رجلاً يبدو أنه لا يفكر سوى في شيء واحد هو نفسه. جونا جولدبورج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"