في تاريخ سابق من هذا الشهر، هدد نائب الرئيس الأميركي"ديك تشيني" إيران من على متن حاملة طائرات، وبعدها بيومين فقط أعلنت الإدارة الأميركية عن مباحثات مباشرة مع إيران بشأن العراق. فإدارة بوش على ما يبدو أمامنا تريد أن تستخدم الطريقتين مع إيران: يد تلوِّح بالتهديد وأخرى تمتد بالمصافحة، أو استخدام أسلوب التهديد كأداة ضغط لكسب تنازلات دبلوماسية في المحادثات. وفي رأينا أن أميركا إذا أرادت لمفاوضاتها مع إيران أن تنجح، فإنه يتعين عليها أن تدرك أن التهديدات لن تجدي فتيلاً مع إيران، بل وقد يكون لها تأثير معاكس، ألا وهو تعضيد موقف الفصيل الإيراني القوي المضاد للمحادثات. من ثم، فإن أميركا تحتاج إلى استيعاب حقائق السياسة الإيرانية، وإن منها أنه لا يوجد موالون لأميركا في الحكومة الإيرانية، وإنما هناك ثلاثة أجنحة متباينة من "المحافظين" الذين تؤخذ آراؤهم في الحسبان. الجناح الأول هو الجناح المتشدد الذي يقوده الرئيس أحمدي نجاد شخصياً ويضم قائد الحرس الثوري "يحيى رحيم صفوي" وقائد قوات "الباسيج" شبه العسكرية "محمد حجازي" ورجال الدين المتشددين. وتلك الشخصيات القوية لا تريد إجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولا الانخراط في أي شيء قد يؤدي إلى التقارب معها. ويضم هذا الجناح أيضا قدامى المحاربين الإيرانيين الذين قاتلوا ضد العراق، وهم يحملون قدراً كبيراً من عدم الثقة تجاه الولايات المتحدة، ويمكن أن يقوضوا أي محادثات تجرى معها، أو يستخدموا هذه المحادثات لإحباط مصالح الولايات المتحدة. ومن ثم فإن الأمر المرجح هو أن يستخدموا التهديدات العسكرية أو التلويح بسيف العقوبات الإضافية للادعاء بأن واشنطن ليست جادة بشأن الدبلوماسية، وإن إشاراتها الخاصة بالمرونة موجهة إلى أوروبا بأكثر مما هي موجهة إلى إيران. الجناح الثاني، والأكثر تأثيراً يتمثل في "المحافظين التقليديين"، الذين يأتي على رأسهم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية "علي خامنئي"، الذي يمثل قوة لحفظ التوازن بين تلك الأجنحة، وهذا الجناح له القول الفصل في الموضوعات الرئيسية، ومن بينها بالتأكيد المحادثات مع أميركا. وهذا الجناح كان يتخوف من المحادثات ولكنه الآن يؤيدها، إلا أن هذا التأييد يمكن أن يتغير إذا ما لوحت واشنطن بمزيد من التهديدات في وجه إيران. وفي النهاية، هناك "المحافظون" البراجماتيون وعلى رأسهم شخصيات مثل الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، وعلي روحاني، و"حسين موسويان" الذي تم اعتقاله مؤخراً. وهذا الجناح يؤيد المحادثات مع الولايات المتحدة، ويدعو إلى برنامج نووي أقل طموحاً وسياسة خارجية أقل صِدامية، ويؤكد على أهمية الاندماج مع الاقتصاد العالمي وجذب المزيد من الاستثمارات الخارجية. وهذا الجناح لا يمثل جزءاً من مؤسسة صنع السياسات، وإنْ كان بعض أعضائه مثل "رفسنجاني" يحتفظ ببعض النفوذ. والخطاب الرسمي الصادر من أميركا عن العمل العسكري ضد إيران، يقوض موقف هذا الجناح الذي يعتبر هو الجناح الوحيد الملتزم بمنح الدبلوماسية فرصة. في أفضل الأحوال، فإن أي اشتباك دبلوماسي سيكون قائماً على أساس متهافت خصوصاً وأن الدولتين قد أضاعتا على مدى فترات طويلة العديد من الفرص السانحة للدخول في محادثات ثنائية كان آخرها ما حدث في مؤتمر شرم الشيخ بشأن العراق، الذي حضره كل من "منوشهر متكي" وزير الخارجية الإيراني ووزيرة الخارجية الأميركية "كوندوليزا رايس". إن العلاقة بين الدولتين قد حفلت بالمرارات خلال الثمانية والعشرين عاماً الماضية، وهو ما يعني أن أي محادثات ستتم بينهما ستكون مثيرة للجدل، وهو ما سيسلتزم من جانب آخر من واشنطن أن تخلق بيئة مناسبة توفر إمكانية النجاح للحل الدبلوماسي. وليس هناك من شك في أن قرار وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الأخير بحضور معرض للفن الإيراني في واشنطن، كان خطوة في الاتجاه الصحيح. وهناك مناسبة أخرى يمكن استغلالها لخلق مثل تلك البيئة هي كرة السلة الأميركية فعما قريب سيقوم اتحاد كرة السلة الأميركي بتنصيب بطل جديد للعبة هذا الموسم وقد يكون من المفيد أن ندعو وفداً من إيران المفتونة بكرة السلة لحضور هذه المناسبة. وهناك أيضاً في الوقت الراهن مجموعة من المشرعين الأميركيين الذين بدأوا في تكوين جمعية للصدقة الأميركية- الإيرانية، وهو ما يمكن الاستفادة منه في تبادل الزيارات بين الوفود البرلمانية من البلدين. إن البعض قد يجادل بالقول إن الدبلوماسية غير المتزامنة مع إطلاق التهديدات، ستكون مؤشر ضعف أميركي. ولكن هذا القول غير صحيح لأن طهران تعرف جيداً أن الرئيس بوش قد أعلن أن جميع الخيارات بما فيها الخيار العسكري مطروحة على الطاولة، كما أن توقف أميركا عن التلويح بالتهديدات لفترة لا يمنع من العودة إلى نهج الدبلوماسية القسرية فيما بعد إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك. بيد أنه يتعين القول في هذا السياق إن المحادثات حتى لو لم تكن مرفقة بتهديدات يمكن أن تخفق. فبالنسبة لموضوع العراق على سبيل المثال فإن أميركا قد تطلب من إيران أن تتوقف عن تسليح المليشيات الشيعية، وأن تشجع الزعماء الشيعة مثل عبدالعزيز الحكيم ومقتدى الصدر على الانضمام لعملية التسوية، وهو ما قد ترفض إيران التعاون مع الولايات المتحدة فيه. علاوة على ذلك فإن أميركا قد تطلب من إيران إيقاف جهودها الرامية لتخصيب اليورانيوم، وهو طلب لن يوافق عليه أي أحد في طهران. مع ذلك نقول إنه لم يعد هناك أمامنا من وقت كي نضيعه. فالبرنامج النووي الإيراني يتقدم بخطى حثيثة وهو ما أكدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، علاوة على أن العراق يسبب لأميركا خسائر فادحة في الدم والمال، كما أن صبر إسرائيل على البرنامج النووي وعلى الهجمات الدبلوماسية التي تقوم بها طهران قد بدا ينفذ. ولكن يجب على أميركا أن تعرف أن التهديدات التي توجهها لإيران تؤدي إلى تقوية وضع ونفوذ هؤلاء الذين يتحدون مصالحها الحيوية. فالدبلوماسية الخالية من التهديدات قد تكون هدفاً طموحاً ولا يرجح نجاحه، ولكنها مع ذلك تبقى هي آخر الفرص المتاحة أمامنا ويجب بالتالي ألا نضيعها. كليفورد كابتشان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ راي تقيه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زميل رئيسي بـ"مجلس العلاقات الخارجية" الأميركية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"