أخيراً تم الإعلان عن حكومة الرئيس"نيكولا ساركوزي" التي سترافقه على الأقل خلال فترته الانتخابية الأولى بقيادة رئيس الوزراء "فرانسوا فيون". لكن اللافت في التشكيلة الحكومية الجديدة هو حضور "برنار كوشنر" الذي أُسندت إليه وزارة الخارجية دون أن يشكل ذلك مفاجأة حقيقية ما دام الحديث عن توليه الوزارة كان رائجاً لدى الدوائر الرسمية منذ فترة ليست بالقصيرة. والواقع أن "كوشنر" ليس جديداً على الساحة السياسية الفرنسية، بل سبق أن تقلد مناصب وزارية في حكومات اشتراكية سابقة، كما انخرط في الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة إلى جانب مرشحة اليسار "سيجولين رويال". ومهما تباينت الآراء والمواقف حول ترؤس "كوشنر" للدبلوماسية الفرنسية بين حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" الذي يعتبره انفتاحاً من الرئيس على باقي ألوان الطيف السياسي الفرنسي، أو بين الاشتراكيين الذين يعتبرونه خيانة من أحد رموزهم، يظل هذا الترشيح رمزاً لنجاح الفريق الحكومي الجديد. ويحظى "كوشنر" بشعبية كبيرة لدى الفرنسيين، بحيث تكرس صورة "اليسار" التي يمثلها، رغم ميوله الليبرالية، واختياره من قبل رئيس "يميني" فكرة المرونة والحركية اللتين يتمتع بهما "نيكولا ساركوزي"، وقدرته على رتق الخلافات السياسية القديمة وردم الهوة بين مختلف الحساسيات داخل المجتمع الفرنسي. وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن "برنار كوشنر" كان أحد المؤسسين لمنظمة "أطباء بلا حدود"، فضلاً عن كونه أحد المدافعين عن حق التدخل لأهداف إنسانية. وقد تولى بعد حرب كوسوفو مهمة إدارة الإقليم، لكنه فشل في الحصول على تأييد كافٍ لترؤس منظمة الصحة العالمية، أو المفوضية العليا للاجئين، رغم مساندة فرنسا لتوليهما. والأهم من ذلك هو موقفه المتمايز عن رفاقه الاشتراكيين، بل وعن معظم الشخصيات السياسية الفرنسية عندما ساند الحرب الأميركية على العراق انسجاماً مع مبدئه الداعي للتدخل الدولي كلما برزت الحاجة إلى ذلك، والمتمثلة في الحالة العراقية بضرورة التخلص من الاستبداد. وبينما يتمتع "كوشنر" بصورة إيجابية في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث عرف عنه انتقاده للمشاعر المناهضة لأميركا الرائجة في فرنسا، فإنه يُنظر إليه بنوع من الحذر والارتياب في كل من روسيا والصين بسبب موقفه المدافع عن حقوق الإنسان، وهو ما يقربه على صعيد الرؤى والأفكار من "نيكولا ساركوزي". والحال أن "برنار كوشنر" لم يكن الشخصية السياسية الأولى التي رُشحت لتولي وزارة الخارجية، إذ سبق أن اقترح "ساركوزي" المنصب ذاته على السياسي المخضرم "هوبير فيدرين" الذي ينتمي هو أيضاً إلى "اليسار" باعتباره أحد الشخصيات التي ساهمت في صياغة السياسة الخارجية الفرنسية خلال فترة الرئيس "فرانسوا ميتران". لكن على رغم انتماء "كوشنر" و"فيدرين" إلى الحزب "الاشتراكي" وتقاسمهما لبعض الرؤى المشتركة، فإنهما يفترقان تماماً فيما يخص بعض القضايا الأساسية. فمن جانبه يؤمن "هوبير فيدرين" بأن الولايات المتحدة، رغم كل شيء، تظل قوة كبرى على الصعيد العالمي، لكن النوايا الطيبة لا تقود بالضرورة إلى سياسيات حكيمة، وهو في هذا يعارض بعض السياسات الأميركية المعروفة. وليس غريباً في هذا السياق أن تستاء الأوساط الأطلسية وتلك المساندة لإسرائيل من ترشيح "فيدرين" وتعارض توليه لوزارة الخارجية. بيد أن هناك سبباً آخر دفع "هوبير فيدرين" إلى رفض عرض الرئيس "ساركوزي" يتمثل في تراجع سلطات وزير الخارجية أمام المؤسسات الجمهورية الأخرى واضطلاعه بدور متواضع في صياغة السياسة الخارجية الفرنسية. فمن المتوقع أن يُستحدث داخل الإليزيه مجلس للأمن القومي على الطراز الأميركي تحت رئاسة السفير الفرنسي السابق لدى واشنطن "جان ديفيد لوفيت"، وهو ما يعني أن سيطرة الرئيس على الجهاز الدبلوماسي وعلى السياسة الخارجية للبلد ستكون أقوى من ذي قبل في ظل المجلس الجديد. وبالموازاة مع ذلك ستشهد وزارة الخارجية تقزيماً واضحاً لسلطاتها بعد استحداث وزارة البيئة والتنمية المستدامة التي عهد بها إلى "آلان جوبيه"، ثم وزارة الهجرة والاندماج والهوية الوطنية التي ستتولى إدارة مصلحة التأشيرات والتعاون السياسي. ويبدو أن الهيكلة الجديدة للأجهزة الحكومية التي أتى بها الرئيس الجديد والرامية في جزء منها إلى التخفف من عبء البيروقراطية وتعزيز الكفاءة الحكومية تصب لغير صالح وزارة الخارجية بعد أن انتزعت منها صلاحيات واسعة. ومع أن العديدين في فرنسا ينتقدون وزارة الخارجية ويعيبون عليها تشبثها بامتيازاتها، إلا أن الواقع يشير إلى أن وزارة الخارجية لم تكن في يوم من الأيام وراء التغييرات الكبرى التي ميزت السياسة الخارجية لفرنسا، بل كانت المؤسسة الرئاسية دائماً حاضرة بقوة في بلورة علاقات فرنسا مع محيطها الإقليمي والعالمي بما يفوق وزارة الخارجية نفسها. وكثيراً ما يتم انتقاد الوزارة أيضاً باعتبارها الحارس الأمين والمدافع المخلص عن مقولات السياسة العربية، متناسين أن تلك السياسة بدأت أول ما بدأت عام 1967 مع الجنرال "ديجول" دون أن يستشير وزارة الخارجية، أو يشركها في اختيار الطريق الذي سلكه في علاقاته مع البلدان العربية. وعندما زار "فرانسوا ميتران" في عام 1982 إسرائيل للتذكير بحقوق الفلسطينيين، ورتب عملية إنقاذ ياسر عرفات وإخراج قواته من بيروت، فإنه قام بذلك من وحي قناعاته الشخصية، ولم يكن لوزارة الخارجية دخل فيه. وبالمثل لم تكن وزارة الخارجية هي من أشار على الرئيس "جاك شيراك" بالوقوف ضد الغزو الأميركي للعراق ورفض مشاركة القوات الفرنسية في عملية الاجتياح. فالحقيقة أن وزارة الخارجية تنفذ السياسات التي يسطِّرها الرئيس وليس العكس، وهو الأمر الذي سيستمر حتى مع وجود مجلس الأمن القومي. فهل سيشكل وصول "كوشنر" إلى وزارة الخارجية بداية التحول الجذري في السياسة الخارجية الفرنسية؟ فالوزير الجديد الذي يتمتع بشخصية قوية، وأسلوب خاص في التعامل مع وسائل الإعلام، لاشك أنه سيترك بصماته المميزة على الساحة الدبلوماسية. لكن إذا كان قد وضع مشكلة دارفور على قائمة الأولويات، فإن الحلول التي سيسعى إلى تكريسها لن تكون هي نفسها التي تطالب بها المنظمات الداعية إلى تسليح الفصائل المعارضة في الإقليم، بل ستركز مساعيه أكثر على إيجاد حلول دبلوماسية تستند إلى ممارسة الضغوط على السودان وإرسال قوات متعددة الجنسيات لحماية الأهالي من دون استخدام القوة. فلابد لوزير الخارجية الجديد، "برنار كوشنر"، من وضع حقائق الواقع الدولي وعلاقات القوة نصب عينيه، وهو يقارب الملفات العالمية الساخنة.