نسبت صحيفة "الاتحاد"، مؤخراً، إلى من وصفتها بمصادر مسؤولة في وزارة التربية والتعليم تأكيدها نيّة الوزارة عدم تحديد أسماء الطلبة العشرة الأوائل على مستوى الدولة في ظلّ النظام الجديد للثانوية العامة، الذي يعتمد على التقويم المستمر والامتحانات الفصلية، وبرّرت المصادر هذا الاتجاه برغبة الوزارة في عدم تحميل الطلاب مزيداً من العبء والضغط والإرهاق وأنه "لم يعد هناك أدنى داعٍ للخوض في حسابات معقّدة عند تقييم الطلاب الأوائل بعد انتهاء العام الدراسي. الخبر قد يبدو عادياً كونه يعبّر عن "نيّة" الوزارة تخليص الطلاب والطالبات من البقية الباقية من آثار القلق الذي ارتبط بالنظام القديم للثانوية العامة، ولكن "حسن النوايا" لا يكفي لمعالجة كثير من الأمور، بل لا يكفي للرّد على الكثير من التساؤلات التي فجّرتها التبريرات التي رافقت الإعلان عن هذه الخطوة. في مقدّمة هذه التساؤلات مدى تأثير خطوة كهذه -سلباً أو إيجاباً- في مناخ التنافسية بين الطلاب والطالبات، وهي نقطة محورية تحتاج إلى البحث والدراسة للتعرّف إلى زوايا الصورة كاملة. الأمر الثاني يتعلّق بجزئية صعوبة تحديد الأوائل على مستوى الدولة في ظل خضوع النتائج لـ "معايير نسبية تختلف من مدرسة لأخرى" بحسب ما ذكرت مصادر الوزارة في معرض تبريرها لهذا التوجّه الجديد؛ إذ إن هذه المقولة تمثّل بحدّ ذاتها اعترافاً من الوزارة بأن هناك "سيولة" في معايير التقييم التي يمكن من خلال سياق هذا الكلام القطع بأنها "زئبقية" قابلة للتأويل والتفسير والزيادة والنقصان وما يرتبط بأي حراك في أي من هذه الاتجاهات من دعم غير مبرّر أو غير مستحق للبعض وانتقاص من حقوق آخرين وهكذا. الموضوعية تقتضي التسليم بأن من الصعب التوصّل إلى صيغ وآليات جامعة مانعة للتقييم بشكل عادل ومتساوٍ للجميع، ولكن من الموضوعية أيضاً القطع بأن من الممكن تقليص فرص التلاعب والمجاملة إلى أدنى حدّ ممكن ولو من خلال التخلّص من معايير وأدوات فضفاضة أو قابلة للتلاعب والتحايل وتدخل في صلب التقييم وتؤثر بالتبعية في درجات التقييم النهائي وتتسبّب في منح فرص للبعض ومنعها عن البعض الآخر. نتفق جميعاً -وزارة وميداناً ومراقبين- على أننا بحاجة إلى خريج مؤهّل لخوض غمار التنافسية الشديدة في سوق العمل المحلي، ونتفق كذلك على أن بلوغ هذا الهدف لا يتحقّق سوى من تعزيز كفاءة النظام التعليمي وتطوير مخرجات الثانوية العامة اعتماداً على الكيف وليس الكم، ولكن سبل تحقيق هذا الهدف تبقى موضع خلاف بين قيادات الوزارة من ناحية، وبقية مكوّنات المجتمع من ناحية ثانية، وهو خلاف يمكن استشرافه بسهولة وبالعين المجرّدة من متابعة أبواب الرأي في الصحف اليومية والمنتديات الإلكترونية وأيضاً من خلال التفاعل الذي حدث، مؤخراً، تحت قبّة "المجلس الوطني الاتحادي". ولاشكّ في أن إحدى نقاط الخلاف الجوهرية بين الفريقين تتمحور حول انفراد الوزارة بالرأي والقرار في رسم سياسات التعليم من دون إشراك الميدان والخبراء والمتخصّصين المواطنين، ولذا فإن من الضروري أن تفسّر الوزارة للميدان والمهتمين مسألة اختلاف معايير التقييم من مدرسة لأخرى، وأن تضع لها حلولاً جذرية بحيث نصل بالأخير إلى ضمان الحدّ الأقصى من العدالة والشفافية سواء اتفقنا على إعلان قائمة العشرة الأوائل من عدمه. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية