قبل مئة وسبعين مليون عام، وفي غابات أميركا الجنوبية، ظهرت حشرة ضئيلة الحجم، خفيفة الوزن، هي البعوضة. وخلال الملايين من السنين، ظلت هذه الحشرة تتغذى على دماء الثدييات، وأحياناً بعض الطيور والزواحف، إلى أن ظهر الإنسان على سطح الأرض، ليصبح أحد المصادر المفضلة لديها لسد نهمها الذي لا ينقطع لرشف الدماء. وعلى رغم أن حجم ما ترشفه البعوضة من دماء في لدغاتها، لا يشكل في حد ذاته خطراً صحياً على الإنسان، إلا أن ما يحمله لعابها من فيروسات، وطفيليات، ويرقات ديدان، يعتبر أحد أكبر المخاطر الصحية التي واجهها الإنسان منذ أن وطئت قدمه سطح هذا الكوكب. فمن ضمن قائمة الأمراض التي تنتقل للإنسان عن طريق لدغات البعوض نذكر؛ طفيلي الملاريا (Malaria)، ودودة مرض الفلاريا (Filariasis)، وفيروسات مرض الحمى الصفراء (Yellow Fever)، وحمى الضنك (Dengue Fever) -لا لعلاقة لها بالضنك أو الفقر-، وحمى النيل الغربي (West Nile Fever)، وحمى الوادي المتصدع (Rift Valley Fever)، والتهاب المفاصل الوبائي (Epidemic Polyartheritis). ولحسن الحظ، لا ينقل البعوض بعض أنواع الفيروسات الأخرى، مثل الفيروس المسؤول عن مرض نقص المناعة المكتسب أو الأيدز، وهو ما لو حدث، لربما كان سيؤدي إلى انقراض الجنس البشري برمته. مثل هذه القائمة الطويلة من الأمراض الخطيرة، تدفع البعض لتصنيف البعوض على أنه عدو الإنسان رقم واحد. فعلى رغم أن مخاوف الكثيرين منا تنصب على الحيوانات الضارية، مثل أسماك القرش أو الأسود والنمور والفهود وغيرها، ورغم أن الزواحف السامة مثل العقارب والثعابين تثير الرعب في قلوبنا جميعاً، إلا أن الحقيقة هي أن الإصابات والوفيات التي تنتج كل عام عن هذه الحيوانات جميعها، لا تبلغ جزءاً ولو بسيطاً من عدد الوفيات الناتجة عن البعوض وحده. هذا بالإضافة إلى أن جميع تلك الحيوانات المفترسة، تعيش في بيئات طبيعية بعيداً عن المدن والتجمعات السكانية الكبيرة، بينما يستوطن البعوض مدننا، وريفنا، ومنازلنا، وجميع أماكن معيشتنا. ولإدراك عدد ضحايا البعوض، يقدر العلماء أن عدد من قتلهم البعوض من أفراد الجنس البشري، يتخطى بمراحل عدد ممن قتلتهم الحروب البشرية جميعها، ومنذ بداية التاريخ. وقبل أن نتطرق إلى الأمراض التي ينقلها البعوض، لابد وأن نتوقف قليلاً عند بعض الغرائب والطرائف المتعلقة بهذه الحشرة. أولى تلك الغرائب، هي أن غذاء البعوض الأساسي هو رحيق الأزهار، وعصائر الفواكه. حيث لا يحتاج البعوض -أو أنثى البعوض بالتحديد- إلى وجبة من الدماء، إلا لاستكمال نمو البويضات داخلها، قبل أن تضعها على أسطح المياه الراكدة. فعملية استكمال نمو البويضات تلك، تحتاج إلى أنواع من البروتينات، لا يمكن لرحيق الأزهار أن يوفرها. مما يضطر الأنثى لرشف بضع قطرات من دماء حيوان آخر، للحصول على تلك البروتينات. ولذا، وبما أن الذكور لا تضع بويضات، نجد أن ذكور البعوض تعتمد في حياتها بالكامل على رحيق الأزهار وعصائر الفواكه، ليس إلا، إلى درجة أن فم ذكر البعوض غير قادر على اختراق الجلد ورشف الدماء، حتى وإن أراد. والحقيقة الأخرى الغريبة المتعلقة بهذه الحشرة، هي كيفية عثورها على ضحاياها في الظلام الدامس، ومن مسافات بعيدة. حيث يعتقد العلماء أن البعوضة تستخدم مزيجاً من حاسة الشم، وحاسة خاصة أخرى تشعر بالحرارة عن قرب. فمن خلال غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي يخرج مع كل زفير، ومن خلال فتحات الجلد، بالإضافة إلى روائح أخرى توجد في العرَق، يمكن للبعوضة تحديد هدفها من مسافة بعيدة، مثل الطائرات المقاتلة المجهزة بالرادارات الحديثة. وعند اقتراب البعوضة من الضحية، يمكن من خلال الإحساس بالحرارة، أن تحدد البعوضة الأماكن المكشوفة في جسده، والممتلئة بالدماء الساخنة. وعلى ما يبدو أن بعض الأشخاص يحملون جاذبية أكبر للبعوض من غيرهم. وبالفعل أظهرت الدراسات الإحصائية عن لدغات البعوض، أن الرجال، زائدي الوزن، من أصحاب فصيلة دم (O)، يشكلون الهدف المفضل دائماً للبعوض. وإذا ما عدنا للوفيات التي يتسبب فيها البعوض، فسنجد أن الملاريا تحتل رأس قائمة هذه المذبحة. فهذا المرض يصيب حالياً قرابة الـ400 مليون شخص سنوياً، يموت منهم ما بين مليون إلى ثلاثة ملايين كل عام، أو ما يعادل وفاة بمرور كل 30 ثانية. وفي بعض التقديرات، تتخطى الوفيات الخمسة ملايين سنوياً. معظم هؤلاء الضحايا من الأطفال، وخصوصاً في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، وإن كان المرض يستوطن العديد من مناطق العالم الأخرى، بما فيها عدة دول في منطقة الشرق الأوسط. وهو ما يجعل الملاريا أكبر الأمراض المعدية فتكاً بأفراد الجنس البشري، بما في ذلك الأيدز والسل الرئوي. أما مرض الفلاريا، والذي يصيب 120 مليون شخص كل عام، فعلى رغم أنه لا يقتل ضحاياه، إلا أنه يتركهم مشوهين بانتفاخ خطير في الساقين، ولذا أحياناً ما يطلق على هذا المرض التفيُّل (Elephantiasis). أما بخصوص المرضين الآخرين، الحمى الصفراء، وحمى الضنك، وهما نوعان من الحمى النزيفية، ففي هذين المرضين تتسبب العدوى الفيروسية المنقولة عن طريق البعوض، في نزيف داخلي كبير ينتهي أحياناً بالوفاة. هذا السيناريو، يحدث في 30 ألف حالة وفاة سنوياً، بسبب الحمى الصفراء فقط. ومثل هذه الإحصائيات والأرقام والحقائق، تظهر ببساطة مدى فداحة الثمن الإنساني الذي يدفعه الجنس البشري، مقابل بعض قطرات من الدماء تبتغيها إناث البعوض.