لا توحي الأجواء المصاحبة لاجتماع الغرماء التقليديين، الأميركيين والإيرانيين، فوق أنقاض بغداد بأن ثمة مدعاة لأي تفاؤل. فرائحة الدماء ومناظر الموت المتنقل والقتل المذهبي تجعل البلاد المقطعة والمتألمة تلعن حظها العاثر. تلتقي على أرض العراق المثخن بالجراح قوتا الاحتلال وهما الأكثر تأثيراً على مجريات الأوضاع هناك حيث ساهمتا في هذا المشهد النازف. اللقاء الأميركي- الإيراني هو إدانة للدور العربي الغائب والمستقيل عن مسؤولياته، الذي ترك الساحة لأميركا قوة الاحتلال العلنية الظاهرة، وإيران قوة الاحتلال الممسكة بالأرض والمنتصرة بحروب الوكالة، وبالتحالف مع الفصائل الشيعية، وحتى من خلال دعم الفصائل السُّنية. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يدفع إيران لمد يد العون والإنقاذ اليوم لخصمها الأميركي الذي ترقص على أشلائه، وتتلذذ برؤية مشروعه يترنح ليس في العراق فقط ولكن في عموم الشرق الأوسط الواسع من وأفغانستان، إلى دورها في الخليج، وصولاً إلى لبنان وفي غيره من هذا الشرق الدامي؟ يؤكد مسؤولون أميركيون سابقون أن إيران تعتزم تحويل هذا الصيف إلى صيف دامٍ وساخن بالتعاون مع حلفائها الشيعة، ومع المليشيات السُّنية. ولعل عودة مقتدى الصدر، وعودة التصعيد في البصرة تأتيان ضمن تجليات التحضير لهذه المواجهة الأخيرة مع الأميركيين، مع محاولة الاستفادة من الجو السياسي والشعبي الرافض للحرب في واشنطن، مما دفع الرئيس بوش هو الآخر إلى أن يتوقع في مؤتمره الصحفي "صيفاً ساخناً" أراد أن تحضير الرأي العام الأميركي له سلفاً. إن الإدارة الأميركية التي رفضت قبول توصيات لجنة "بيكر-هاملتون" بدأت تتبناها بالتقسيط، من خلال التفكير بشكل جدي (كما كشفت ذلك صحيفة الغارديان البريطانية) في تدويل الأزمة العراقية في الخريف القادم، بعد أن تُعلن رسمياً فشل الخطة الأمنية، وتسعى إلى تكريس دور أكبر للقوى الكبرى ولمجلس الأمن والبنك الدولي في أية استراتيجية مستقبلية تسمح لواشنطن بتقليص وجودها العسكري، وبالحصول على الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري وحتى احتمال إرسال قوات دولية بقيادة إسلامية إلى العراق، كما اقترح الرئيس الباكستاني. يحدث هذا فيما يزداد الاحتقان السياسي في العراق، وسط تهديد نائب الرئيس العراقي السُّني بانسحاب "جبهة التوافق" السُّنية، مما قد يدفع بحكومة المالكي إلى الهاوية. يأتي لقاء الأميركيين والإيرانيين الآن كذلك على خلفية الكثير من التصريحات والتلميحات واستعراض العضلات، وتسريب الدراسات حول دور إيران وسعيها نحو "صيف ساخن" لإخراج الأميركيين من العراق. والإيرانيون طبعاً يعلمون ويقرؤون ما يقوله الكونغرس "الديمقراطي" وما تنشره مراكز استطلاعات الرأي الأميركية من انصراف الشعب الأميركي، بشكل لا رجعة فيه، عن مقامرة بوش وخطة أمن بغداد المتعثرة. وفي هذا الصدد حملت استطلاعات الرأي لبوش مؤخراً أخباراً غير سارة مؤداها أن 76% من الأميركيين يرون أن الحرب تسير في الاتجاه الخاطئ، وأن شعبية بوش في الحضيض، إذ لم تتجاوز منذ أشهر حاجــز 30%. كيف يمكن إذن أن ينجح اللقاء وإيران تتابع أكبر حشد أميركي في مياه الخليج منذ حرب العراق، عبر حاملتي الطائرات "نيميتز" و"ستينيس" والمجموعات المقاتلة؟ وتستمع لتهديد ووعيد بوش ويترافق ذلك مع انتقادات مدير عام وكالة الطاقة الدولية لإيران، وتأكيده أنها لم توقف تخصيب اليورانيوم كما طالبها قراران صدرا بالإجماع عن مجلس الأمن منذ مطلع العام الحالي؟ يذكر أن إيران بدل أن تستجيب للقرارين زادت من تشغيل أجهزة الطرد المركزي وسرَّعت التخصيب. مما دفع الرئيس بوش في مؤتمره الصحافي إلى التهديد بالمزيد من العقوبات ضدها. حتى انتصار الرئيس بوش وتراجع "الديمقراطيين" في الكونغرس، بخصوص ربط تحديد مواعيد للانسحاب مع المصادقة على تمويل الحرب في العراق وأفغانستان، ما هو إلا انتصار مؤقت، حيث سيعود "الديمقراطيون" لمناقشة الحرب والمطالبة بسحب القوات الأميركية في مطلع الخريف القادم، حيث يتوقع أن يقدم قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال بتراوس تقويمه بعد ستة أشهر من بدء العمل بخطة "أمن بغداد"، التي أدت إلى خفض العنف الطائفي في العاصمة ولكنها دفعت إلى انتقاله إلى مناطق أخرى وخاصة محافظة ديالى، مما يبقي مستوى العنف ونسبة الضحايا مرتفعين. الجميع في واشنطن ينتظرون سبتمبر، سواء في ذلك إدارة والكونغرس. وحلفاء واشنطن في العراق يتابعون ويرصدون الموقف وهم يرون تراجع القدرة الأميركية على الحسم، مع الخوف من المجهول في حال الانسحاب والهزيمة. نحن إذن على موعد مع صيف ساخن مصبوغ باللون الأحمر الدافق، في منطقة تعيش حرباً... وتستعد لأخرى.