من غير المُستبعد أن تتحول أفغانستان إلى مقبرة لـ"الناتو"؛ وهي مقبرة تضيق في الواقع بمن دُفنوا فيها. فالاتحاد السوفييتي دُفن في أفغانستان؛ وكذا كان مآل الإمبراطورية البريطانية التي هُزمت هناك. وهذا مصير مفجع ترصّد كل غزاة أفغانستان من دون استثناء، منذ الأسكندر الأكبر، الذي ذاق، على غير العادة، مرارة الفشل في بلوشستان وأفغانستان خلال القرن الثالث قبل الميلاد. لقد ذهب "الناتو" -المتأكد من إخلاص أعضائه- إلى أفغانستان بطلب من الولايات المتحدة من أجل دعم جهود إعادة الإعمار في ذلك البلد تحت حكومة الرئيس حامد كرزاي، الذي انتُخب في 2004 بعد أن قاد الحكومة الانتقالية التي تم تنصيبها عقب هزيمة حركة "طالبان" في 2001 أمام الأميركيين. ولكن الحركة تخوض اليوم عمليات مسلحة ضد "الناتو" والقوات الأفغانية من أجل استعادة البلاد. ثمة قلق حقيقي في أوساط الدول الأعضاء في "الناتو" بخصوص أبعاد المهمة وطابعها السياسي، إضافة إلى الإصابات التي يتم تكبدها، ليس فقط في صفوف قوات "الناتو"، ولكن أيضاً تلك التي تلحق بالمدنيين الأفغان. وفي هذا السياق، التقى الرئيس الأميركي جورج بوش في مزرعته في كروفورد، عطلة نهاية الأسبوع الماضي، بالأمين العام لحلف "الناتو"، "جاب دي هوب شيفر"، من أجل حث الحلف على بذل جهود أكبر ومناقشة الخلاف بخصوص تقسيم مسؤوليات "الناتو"، والأسباب وراء عدم إحراز التقدم في المهمة. وتكتسي هذه النقطة الأخيرة أهمية كبيرة للغاية؛ وتشكل مرة أخرى معركة تتزعم فيها الولايات المتحدة الطريق بشكل متهوّر. فقد سبق لها أن فعلت ذلك بالرغم من جهلها الكبير بالواقع التاريخي والاجتماعي للبلد الذي هاجمته، رغبةً منها في معاقبته لأن حكومة "طالبان" كانت تستضيف أسامة بن لادن، ورفضت تسليمه للولايات المتحدة بعد انتهاء المهلة التي حددتها واشنطن. وللتذكير فإن "طالبان" حركةٌ أصولية متشددة ومتخلفة اجتماعياً، ترغب في طرد أية تأثيرات خارجية أو متطورة من المجتمع الأفغاني بزعم استعادة صفائه الديني و"تطبيق الشريعة". وهذا ما فعلته، أمام لامبالاة أميركية ودولية عامة، منذ عام 1996، عندما بسطت الحركة سيطرتها على العاصمة كابول، وحتى الهجوم المشترك الذي نفذته طائرات "ب 52" الأميركية والقوات البرية لأعداء "طالبان" من مقاتلي "تحالف الشمال". وينتمي أعضاء حركة "طالبان" إلى البشتون، التي تعد المجموعة العرقية الأكبر في أفغانستان وفي المناطق الحدودية لباكستان. وهنا تكمن في الواقع مشكلة جدوى "الناتو"؛ فإذا كان عدد قوات الحلف في أفغانستان اليوم يبلغ 37000 جندي، فإن الكثير منهم لديهم أوامر وتعليمات من حكوماتهم بعدم المشاركة في مهام حربية معينة. والواقع أن أفغانستان أكبر مساحة من العراق. ومع ذلك، تسعى قوات "الناتو"، بهذا العدد القليل، إلى هزيمة وطرد حركة دينية وسياسية لها جذور في المجتمع البشتوني، الذي يقدر بنحو 12.5 مليون نسمة في أفغانستان، و28 مليون نسمة في باكستان المجاورة، وما بين 40 و45 مليون نسمة في العالم. وهذا أمر لا يؤيده العقل. وهو، إضافة إلى ذلك، أمر لا جدوى منه أيضاً؛ ذلك أن مصير أفغانستان يجب أن يقرَّر، وسيقرر في نهاية المطاف، من قبل الأفغان، وليس من قبل قوات "الناتو". والحقيقة أن مهمة "الناتو" بدأت تُمنى بالفشل؛ وذاك هو السبب وراء اجتماع الرئيس الأميركي والأمين العام للحلف. وبعد انتهاء اللقاء، أدلى الرجلان بتصريحات باهتة وغير مقنعة مؤداها أن على جميع أعضاء "الناتو" إرسال المزيد من القوات وتحمل مسؤوليات جديدة، وهو ما لن يقوم به سوى عدد قليل جداً من الأعضاء، في حال كان ثمة من سيقوم به أصلاً. فالميول العامة اليوم هي نحو الاتجاه المعاكس، ذلك أن الأوروبيين لا يميلون إلى تعزيز وتكريس الفشل، خلافاً للأميركيين (مثلما تظهر ذلك أعمالهم في العراق منذ قرابة أربع سنوات). إذ باتت تصدر عن بعضٍ من أكثر المدافعين عن التحالف الأطلسي، من قبيل جوردون براون في بريطانيا والحكومتين الألمانية والهولندية، إشارات تفيد برغبتهم في الانسحاب من المهمة الأفغانية. علاوة على ذلك، يقول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي يعد من أفضل أصدقاء واشنطن الجدد في أوروبا، إنه لا يعتبر تجديد المساهمة الفرنسية في المهمة الأفغانية "أمراً محتماً". ومن جانبه، يقول القائد العسكري الأميركي لـ"الناتو" إنه يتعين أن يكون ثمة "تغيير في التكتيكات والتقنيات والإجراءات" في التحالف. ولكل ذلك أقول إن المغامرة الأفغانية المُكلفة قد تمثل بداية النهاية بالنسبة لحلف "الناتو"، لأن أعضاءه الأوروبيين سمحوا له بأن يتحول من تحالف دفاعي إلى قوة مساعِدة للسياسة الخارجية الأميركية؛ والحال أن السياسة الخارجية الأميركية تصاغ منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر على نحو كارثي، وتتفكك وسط عنف العراق المدمِّر. وتأسيساً على ما سلف، فلعل أفضل شيء يمكن لحلفاء الولايات المتحدة في "الناتو" أن يقوموا به هو أن ينهوا، بطريقة مهذبة وبتفسيرات مقنعة، تعاونهم مع العمليات العسكرية للحرب على الإرهاب. فالولايات المتحدة نفسها غير قادرة ربما على تغيير الاتجاه، حتى في عهد رئيس جديد. وما على المرء إلا أن يصغي إلى أبرز المرشحين في الانتخابات الرئاسية الأميركية حتى يفهم أنهم أيضاً ليسوا في منأى عن تأثير إيديولوجيا التدخل الأميركي في العالم من أجل التغلب على "الإرهاب" و"الشر" -حتى وإن كان ذلك يضاعفهما. وربما تستطيع أوروبا أن توفر الصدمة التي يمكنها أن تنقذ الولايات المتحدة من الأخطار القابعة أمامها. ــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"