من الواضح للعيان، ودون أي تعقيدات في التحليل أو فذلكة صحفية، أن ما يحدث في الخليج العربي الآن، بل وما سيحدث في المستقبل القريب والبعيد، أن منطقة الخليج باتت رهن أجندتين إحداهما "صهيونية" والأخرى "فارسية"، ولكل منهما مصالحه وأهدافه ودوافعه واستراتيجياته وسياساته التي تزيد من حالة عدم الاستقرار والفوضى الأمنية في المنطقة الممتدة من باكستان شرقاً إلى المغرب العربي غرباً ومن لبنان شمالاً إلى اليمن جنوباً، بل وتصادر على كثير من المصالح الاستراتيجية لدول المنطقة وتجعلها أحياناً مسرحاً للمواجهة أو لاقتسام مناطق النفوذ بين أصحاب الأجندتين. وحتى لا تذهب أفكارنا بعيداً نحو قصر "الصهيونية" على ممارسات وسياسات الدولة العبرية فقط، فإن المقصود بتنفيذ الأجندة الصهيونية هو الإدارة الأميركية برئاسة بوش الصغير، بل وكل الإدارات الأميركية السابقة واللاحقة، ومن المؤكد وجود فارق كبير واختلاف هائل بين أجندة أميركية تعمل على تحقيق مصالحها الحيوية، وبين أجندة تعمل من أجل مصالح وأهداف واستراتيجيات صهيونية. أما أصحاب الأجندة الفارسية فهم النظام الحاكم في إيران سياسياً وعقائدياً، في حين أن تنظيم "القاعدة" يقوم بجهود هائلة للمساهمة والدعم لتحقيق وإنفاذ الأجندتين، سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة. ومن المعروف أن الأجندة "الصهيونية الأميركية" لها تاريخ طويل ممتد عبر عقود من الزمن، كانت بدايته الحقيقية عام 1957 عندما قرر بن جوريون، رئيس وزراء إسرائيل حينها، في أعقاب "حرب السويس" عام 1956 ضرورة ارتباط المصالح الإسرائيلية بالمصالح الأميركية في المنطقة، لأنه رآه الطريق الوحيد لضمان تحقيق "الصهيونية الإسرائيلية" لأهدافها بعيدة المدى، لذلك إذا نظرنا إلى الأجندة الصهيونية الأميركية نجدها تسعى إلى فرض أهداف ومصالح عدة لم تحِدْ عنها، من أهمها: أولاً: التركيز على احتكار القوة، كأساس للتعامل القهري مع دول المنطقة، وفي سبيل ذلك تسعى الإدارة الأميركية يساندها الكونجرس لمنع وصول أي تسليح متقدم للدول العربية، سواء التي لها حدود مباشرة أو غير مباشرة مع الدولة العبرية، وليس الأمس ببعيد، فالكونجرس الأميركي قرر الاعتراض على صفقة تسليح للمملكة العربية السعودية، ويهدف ذلك إلى المحافظة على الخلل في التوازن الاستراتيجي لصالح إسرائيل. ثانياً: فرض مفهوم الأمن المطلق، وهو يعني أن يد تل أبيب يجب أن تصل إلى كل عربي، بل وكل من يؤيد الحق العربي، لمنعه من تهديد الدولة العبرية سواء باللفظ أو حتى التفكير في ذلك، وهذا يتطلب عدم معارضة أي مطلب لإسرائيل، وعدم الإتيان على ذكر ما يسيء إليها، فهي معصومة من الخطأ، ويجب القضاء فوراً على أي شبهة لتهديد أمنها. ثالثاً: الهيمنة الإقليمية والاعتراف بها كقوة إقليمية كبرى، لأن هذه النوعية من الدول تملك قدر المنطقة، ولها أن تأمر فتُجاب، وتحكم فتطاع، وتفكر فينفذ ما تفكر فيه لإعفائها من معاناة التصريح به، لذلك فإن مصالحها الحيوية مقدسة لا تُمس، والجميع يعملون لخدمتها، كيف لا والقوة الكبرى الوحيدة في العالم رهن بنانها. رابعاً: التمسك بسياسة فرض الأمر الواقع، وهو ما يعكس مبدأ تكريس الاحتلال وتغيير التركيبة السكانية، ومن ثم يتم بمضي التاريخ نسيان ما جرى، والقبول بالأمر الواقع، والأمل في ألا يطمع في أرض جديدة، وتصبح ثنائية "السلام مقابل السلام" بدلاً من ثنائية "الأرض مقابل السلام". خامساً: فرض التطبيع، لسبب بسيط، أن القوة الإقليمية الكبرى لا تستطيع أن تشعر بزهو قوتها وتأثيرها بغير وجود دول تعلن فروض الطاعة والولاء، ومن ثم تمارس القوة الإقليمية سطوتها وهيمنتها بما يعود عليها بالمصلحة. لذلك فإن الولايات المتحدة ملتزمة بتنفيذ هذه الأجندة على حساب مصالحها الحيوية والاستراتيجية الخاصة، ومن هنا جاءت مصطلحات "الكيل بمكيالين"، و"ازدواج المعايير" و"التدخل الإنساني"، و"الشرق الأوسط الكبير والجديد"، لأنه إذا كان الأمر يتوقف على المصالح الأميركية وحدها في منطقة الشرق الأوسط، فإن الأمر لن يخرج عن إطار الحصول على النفط بأسعار مناسبة، والولايات المتحدة تستورد 18% فقط من نفطها من الشرق الأوسط، وهو لا يحتاج إلى أن تجيِّش أساطيلها وجيوشها للدفاع عنه، أما الحفاظ على المنطقة كسوق استهلاكي، فهو أمر لا يحتاج أيضاً إلى أي جهد، لسبب بسيط أن العرب في حاجة للاستهلاك، لأنهم لا ينتجون، أما عن مسألة الحفاظ على الأمن والسلام العالميين والحرب ضد الإرهاب؛ فإن أميركا لن تكون بحاجة إلى التدخل العسكري الهائل في هذا الأمر، لأن أعداءها سيكونون أقلية لا تذكر بل ربما يختفون، لأنها لا تدعم الأجندة الصهيونية. أما الأجندة الفارسية، التي تشترك في كثير من الأمور مع الأجندة الصهيونية، فنجدها أيضاً تتسم بما يلي: أولاً: التركيز على احتكار القوة، فالدولة الفارسية تسعى إلى توافر قدرات عسكرية تقليدية وفوق تقليدية ذاتية تفوق حاجتها الدفاعية، ومعظمها هجومية الطابع، بل وتمتلك قوات مهمتها الأساسية العمل في أراضي الدول الأخرى، وهو أمر لا تخفيه بل تعلنه بكل صلافة لإرهاب الدول الأخرى، وإجبارها على تنفيذ المصالح الفارسية. ثانياً: فرض مفهوم خاص للأمن، يطالب دول الخليج العربية بالتخلي عن اتفاقياتها الدفاعية الخارجية، على الرغم من أن التهديدات الإيرانية المستمرة هي السبب الرئيس وراء عقد كل هذه الاتفاقيات، وأن تتحمل دول المنطقة فقط مسؤولية الأمن في الخليج، ونظراً إلى ميل ميزان التفوق الجيوستراتيجي لصالح إيران، فإن من البديهي أن تكون لها اليد العليا في أي نظام أمني. ثالثاً: الاعتراف بها كقوة إقليمية كبرى، فإيران لا تطالب دول المنطقة بذلك بل تطلبه من القوى الكبرى والقوة العظمى الوحيدة في العالم، على اعتبار أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة على فرض سيطرتها وهيمنتها على كامل المنطقة، في ظل تميز عناصر قوتها الشاملة. رابعاً: التمسك بسياسة فرض الأمر الواقع، فإيران تحتل الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) وترفض أية حلول سلمية لهذا الاحتلال وتسعى إلى تغيير ديموغرافية الجزر، وفرض واقع جديد عليها في محاولات يائسة لإثبات أن الجزر إيرانية، ولا تأبه بالتصرف الحضاري وعلاقات حسن الجوار التي تلتزم بها دولة الإمارات العربية المتحدة. خامساً: زعامة الشيعة في العالم، وكما هي حال الدولة العبرية التي أصبحت قبلة ليهود العالم، وتعمل على لمِّ شملهم على حساب الفلسطينيين، فإن الدولة الفارسية نصبت نفسها زعيمة لكل الشيعة في العالم وتعمل على دعمهم لمناهضة دولهم الأصلية وإقامة دويلات شيعية. ونتيجة لاتفاق الصهيونية والفارسية على فرض أجندتهما على الخليج العربي، فإن آليات تحقيق الأجندتين واضحة وبينهما اتفاق، حيث التركيز على إذكاء الصراعات الطائفية والعرقية داخل الدول العربية، والتعامل بنظام الملفات مع القضايا الحيوية التي تخص المنطقة بحيث يتم فصل الملف العراقي عن ملف الصراع الإسرائيلي عن ملف الأمن الإقليمي عن التعاون الاقتصادي والتطبيع وهكذا، بالإضافة إلى السعي لإقامة تحالفات داخل المنطقة تهدف إلى تجزئتها وبث روح الفرقة بين دولها، ولا يخفى أيضاً دور الحرب بالوكالة في العراق وأفغانستان، و"حزب الله" اللبناني، وفلسطين، واليمن، فضلاً عن استغلال الحركات الإسلامية المتطرفة عند الحاجة، والسعي المستمر لامتلاك قدرات عسكرية هجومية وأسلحة دمار شامل خاصة النووية، وتبني استراتيجية تركز على صنع العالم الذي يريدونه ولا ينتظرون العالم ليتغير وفق ما يريدون. إذا كان هذا حال منطقة الخليج العربي التي أوقعها وضعها الجيوستراتيجي بين مطرقة صهيونية وسندان فارسي، فإن الواجب يفرض على دول الخليج العربية سرعة الاتفاق فيما بينها على مصادر التهديد ووضع استراتيجية واضحة للتعامل معها، وإلا سيكون البديل هو "التفتيت".