عندما يقف امرؤ عند حافة نهر، ويبلل ساقيه بالماء، مراقباً انعكاس ضوء القمر على سطحه في ليالٍ حالكة الظلمة، دون أن يُعكِّر صفو باله نقيق الضفادع، أو نعيق البوم، فهذا يعني أن الحرية ما زالت تتنفس على الأرض. وعندما يُلاحق المرء بناظريه، العصافير وهي تُزقزق فرحة من غصن لغصن، دون أن يُصوّب صيّاد فوهة بندقيته إلى صدورها، فتسقط من علوها مضرجة في دمائها، فهذا يدل على أن الحرية ما زالت تمرح بسلام في فضاءات الحياة. وعندما يتمدد الإنسان على العشب في حديقة غنّاء، ويصدح بأعلى صوته قائلاً... أنا حُر، دون أن يستوقفه ضابط أمن، فهذا يعني أن الحرية ما زالت تتبختر بأمان في طرقات الحياة. لكن عندما تخضع الكلمة للمراقبة اليومية، ويُوضع صاحبها تحت الإقامة الجبرية، من المؤكد حينها بأن الحرية أصبحت في خطر، من الواجب نشر خبر نعيها في كافة وسائل الإعلام العالمية، والترحّم عليها، والدعاء لها في صلواتنا صباحاً ومساءً. كثير من الفلاسفة والمفكرين والأدباء والشعراء تغنّوا بالحرية، وجعلوها علامة من علامات سمو الإنسانية، وبرهان دامغ على تحضّر البشرية، لكنها في بلداننا العربية تعيش طوال الوقت داخل سياج حديدي ممنوع عليها اختراقه، في حالة من الترقّب والتوجّس، حيثُ ما زال مسلسل التنكيل بها مستمراً بذريعة أنها متمردة، لابد من كبح جماحها، حتّى يعم الأمن والسلام كافة البقاع العربية. بسبب هذه الحجج الواهية، ارتفعت موجة اعتقالات الصحافيين وأصحاب الأقلام الشريفة، ونُصبت مشانق المساءلة من جديد، وصارت تقع بين حين وآخر مجزرة فكرية، يتم فيها جز أصحاب العقول المستنيرة، الذين يملكون أقلاماً شجاعة قادرة على أن تمد رأسها لترى ما في الأجربة، وتخرجها للناس ليتفحصوا بأم أعينهم ما علق بمجتمعاتهم من أوساخ وأدران! مؤخراً في السودان، تمَّ الإفراج عن رئيس تحرير جريدة "السوداني" بعد أن اعتقلته السلطات هناك، وقامت بتوقيف جريدته عن الصدور، بذريعة تطاولها على شخص وزير العدل السوداني. وفي مصر قامت المحكمة باستدعاء الشاعر حلمي سالم بسبب مساسه بالذات الإلهية في قصيدة له، واستدعاء الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي رئيس تحرير مجلة "إبداع" لسماحه بنشر هذه القصيدة. وهذان نموذجان من نماذج عديدة تحدث في أغلبية البلدان العربية. ظاهرة ملاحقة أصحاب الكلمة الحرة لم تقتصر على الصحافة المكتوبة، بل أيضاً تعدتها إلى المواقع الإلكترونية على الإنترنت، حيث قامت عدة دول عربية بإصدار قوانين صارمة تصل إلى حد السجن بحق كل من تسوّل له نفسه التطاول بقلمه على ثوابت مجتمعه، التي لم يعد أحد يعرف أين تقف هذه الثوابت بعد أن تداخلت مع الموروثات الاجتماعية! لستُ هنا في موضع تفنيد الآراء التي ينشرها الصحافيون والمبدعون أيا كانت، فهي في نهاية الأمر تدل على قناعة صاحبها بما يكتب، لكنني أيضاً مع حرية التعبير بكافة أوجهها، ومع احترام حق المبدع في تسطير ما يحس به في دواخله، ومع كل صحفي همُّه كشف قاع مجتمعه للرأي العام، وإلا فكيف يمكن مداواة الأخطاء إذا تعمدنا إخفاءها عن الأعين؟! سلاح المصادرة لن يُجدي في عالم اليوم الذي أصبح متداخلاً بسبب الثورة المعلوماتية التي أذابت كافة الحواجز. وإخماد الأنفاس لن يؤدي إلاّ إلى مزيد من الاعتراضات، ورفع الأصوات بالاحتجاجات! وبدلاً من أن تسعى الحكومات المتسلطة، وأصحاب العقول المتحجرة، إلى مطاردة كل مبدع، وكل صاحب قلم حر، وتودعهم السجون، وتلقيهم في المعتقلات، لماذا لا تُقارع الحجة بالحجة؟ لماذا لا يكون الباب مفتوحاً لسماع الآراء المختلفة؟! لماذا نُصر على نبذ لغة الحوار العقلاني؟! تاريخنا الإسلامي يزخم بالكثير من الصور المأساوية التي راح ضحيتها علماء وفلاسفة ومبدعون، أرادوا أن يقدموا أفكارهم التنويرية لمجتمعاتهم، فجاءت نهاياتهم مأساوية، لكن التاريخ كتب أسماءهم بحروف مضيئة وكتب أسماء المستبدين بأحرف سوداء. أليس هذا كافياً لكي يعتبر الجميع من التاريخ!