يشكل بناء الجدران وإقامة المتاريس من وجهة نظر البعض حماية للمعرضين لمشكلات أمنية، لكن ثمة آخرين يرون أن هذه الجدران تنطوي على مأساة حقيقية ينجم عنها كثير من المعاناة. وقد شهدت شخصياً جزءاً من تلك المآسي التي تتسبب فيها الجدران الخرسانية عندما كنت بألمانيا الشرقية في 13 أغسطس 1961 وشاهدت كيف قامت الشرطة التابعة للنظام الشيوعي في برلين الشرقية بإحاطة المدينة بالأسلاك الشائكة ثم بناء الجدار الخرساني. وقد رأيت كيف كان سكان برلين الغربية يأتون إلى الجدار وهم يذرفون الدموع بسبب ابتعادهم عن أفراد عائلاتهم الذين مكثوا في الجزء الشرقي من المدينة، أو الشرقيين الذي منعوا من الوصول إلى مقار عملهم في الجزء الغربي من برلين. ولا زلت أذكر أنه في تقرير إخباري قدمته على الهواء استشهدت ببيت شعر يقول فيه أحد الشعراء الأميركيين "شيء هناك لا يحب الأسوار، ويريده أن يتداعى". وبعد مرور 26 عاماً تحدث الرئيس الأميركي "رونالد ريجان" عن معاناة سكان برلين، لكن أيضاً توجه بخطابه إلى العالم عندما وقف أمام الجدار الذي يقسم المدينة وتحدى الرئيس السوفييتي "ميخائيل جورباتشوف" منادياً "أزل هذا الجدار يا جورباتشوف". ولم تمر سنتان حتى انهار الجدار فعلاً، ومازلت احتفظ في مكتبي بقطعة منه كذكرى. وسياق هذا الكلام هو ما يبدو من مآس أخرى بدأت تبرز في مناطق أخرى من العالم ترتكز على اعتقاد خاطئ مفاده أن عزل البشر عن بعضهم البعض كفيل بحل المشاكل. فقد انخرط الجنود الأميركيون مؤخراً في مشروع يهدف إلى عزل حي الأعظمية السُني عن بغداد وتطويقه بحواجز خرسانية. كما دأبت إسرائيل لسنوات على بناء جدار يمتد على طول 436 ميلا بهدف عزل السكان الفلسطينيين عن القدس الشرقية. وفي باكستان تقوم السلطات بإقامة حواجز على الطرق المؤدية إلى أفغانستان لمنع تسلل عناصر "طالبان". ولا يبدو أن الولايات المتحدة غائبة هي الأخرى عن هذا المهرجان الحافل ببناء الأسوار وتشييد الجدران، حيث شرعت في إقامة جدار يصل طوله إلى 700 ميل ويغطي مساحة شاسعة من الحدود الأميركية المكسيكية لمنع تسلل المهاجرين السريين. ويرى مؤيدو بناء هذا الجدار أنه ضروري لمنع وصول الإرهابيين من الحدود الجنوبية للولايات المتحدة والحد من العمالة السرية، لكنه هدف صعب المنال. فقد ساهم المشروع في ازدهار عمليات بناء الأنفاق تحت الأرض للالتفاف على الجدار, كما ازدهرت عمليات تزوير الوثائق الرسمية وخداع السلطات. دانيال شور كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"