إن حالة التوتر التي سادت علاقات إيران بجيرانها العرب في الخليج في العقود القليلة الماضية، خاصة احتلالها لجزر الإمارات الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وقيامها بنسف اتفاق 1970 حول أبو موسى، قد تساعد على تضليل الباحثين في شؤون الخليج السياسية، خاصة إذا كانوا من خارج المنطقة. من هذا المنطلق فإن الباحثين قد ينحون منحى يفهم منه أن العلاقات بين العرب وشريكهم غير العربي في الخليج كانت دائماً علاقات عداوة وبغضاء ومشوبة بالتوترات. إن الواقع يشير غير ذلك، خاصة إذا ما تم استقراء التاريخ وفهمه بشكل جيد، بغض النظر عن حالة التوتر الأمنية من ممارسات إيرانية سياسية وأيديولوجية محددة، وبغض النظر عن قرون من الخلافات الثانوية، وعن الأحكام المسبقة السطحية التي صدرت من قبل الطرفين تجاه بعضهما بعضاً، فإن العلاقات بين عرب الخليج والإيرانيين في هذه المنطقة كانت إيجابية إن لم تكن حميمة على مدى عصور من الزمن. لقد تبادلت التجمعات السكانية من كلا الجانبين تجارة ناشطة عبر الخليج وتعايشت مع بعضها بعضاً على كلا الساحلين بمودة وإيجابية لأمد طويل، ولاشك أنه كان لكلا الجانبين ارتباطاتهما الخاصة مع الآخرين، وكانت لهما أيضاً مواقفهما الخاصة تجاه الخارج، فقد كان على إيران أن تواجه الأفغان والروس والأتراك والإنجليز خلال حقب ممتدة من العصور القديمة والحديثة على حد سواء، لذلك فقد كانت إيران وهي صاحبة أكبر كثافة سكانية في الخليج، بعيدة كل البعد عن التطورات التي كانت تحدث على الضفة الغربية للخليج. ويقابل ذلك أنه كان على العرب مواجهة الغزاة الغربيين من هولنديين وبرتغاليين ومن بعدهم الإنجليز ثم وكلاء الدولة العثمانية في المنطقة، ثم أخيراً الأخطار الجديدة على مستوى المنطقة العربية، خاصة بعد قيام إسرائيل. يمكن القول إذاً، إن تراكمات الخلافات البسيطة السابقة تفجرت في عصرنا هذا، لكي تأخذ أشكالاً أخرى ليس لعرب الخليج، خاصة حكومات ومواطني دول مجلس التعاون الخليجي الست، دخل فيها، ونتيجة لذلك تولد عداء بين العرب والإيرانيين هو جديد بكل المقاييس، حيث خرجت عنه مقالات ورموز معنوية وربما أساطير جديدة جعلته يبدو وكأنه عداء متأصل، في الوقت الذي أعتقد أنا شخصياً أنه روائي وعارض وليس متأصلاً بطبيعته الأساسية ومعطياته. إنه لعداء برز كنتيجة مباشرة لمخرجات خط سير تاريخ المنطقة الحديث جداً، وبالتحديد هو نتاج الميراث المتضاد لأحداث أخذت في التواتر منذ بروز رضا شاه كحاكم لإيران في بداية القرن العشرين، مروراً بالانقلاب العسكري على العرش الهاشمي في العراق عام 1958، واستيلاء إيران على جزر الإمارات وممارسات الشاه السابق المعادية للعرب وتطلعاته التوسعية نحو أراضيهم في الخليج خاصة البحرين، وانتهاء بثورة 1979 التي انتهج أصحابها نهجاً متشدداً في بدايتها ضد جميع جيران إيران. ولو عدنا قليلاً إلى تاريخ سياسة إيران الخارجية تجاه العالم بمن في ذلك جيرانها العرب، منذ خمسينيات القرن العشرين، فسنلاحظ أنها توجهت إلى محاولة تأمين استقرار النظام في الداخل أساساً حتى بالنسبة للنظام القائم حالياً، وإلى محاولة الحدّ من زيادة النفوذ والتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد خاصة الآتي من بريطانيا والاتحاد السوفييتي السابق، وأخيراً الولايات المتحدة الأميركية في مرحلة ما بعد الشاه. وفي الوقت الذي شهد فيه العالم العربي تأثيرات الحقبة الناصرية ثم تأثيرات الانقلابات العسكرية في العديد من الدول العربية، ثم ما تسببت فيه سياسات "البعث" في العراق من آثار كارثية على علاقات العرب بإيران، كانت إيران ذاتها تسير في طريق إعادة البناء الداخلي بعد أن استعاد الشاه عرشه عام 1953 مثلما هو الحال بعد أن قامت الثورة الحالية في عام 1979. وعلى ضوء الزيارة التي قام بها الرئيس الحالي أحمدي نجاد إلى كل من الإمارات وعمان مؤخراً، ربما يمكن للمرء أن يتوقع أن يحدث مزيد من الانفراج في علاقات عرب الخليج بجارهم. ورغم أن هذه الزيارة جاءت في مرحلة حرجة بالنسبة لإيران وهي تواجه المزيد من الضغوط الدولية تجاه برامج تسلحها النووي، إلا أنها في نفس الوقت تعطينا مؤشراً على إمكانية إصلاح ذات البين بعد الجفوة التي استمرت منذ مدة. لقد أدى ذلك إلى أن تكون لدول الخليج ردود أفعالها على ما يحدث، وهي ذات شقين: الأول هو قيام جميع دول الخليج بتعزيز إمكانياتها ووسائلها ونظمها الأمنية لدحض أية محاولات لإثارة القلاقل السياسية في الداخل، والثاني هو قيامها بالإنفاق الواسع على التسلح العسكري، وكلا الأمرين مكلف ويعوق خطط التنمية الشاملة. وفي ذات الوقت أبقت جميع دول الخليج العربية أبوابها مفتوحة أمام إيران، وسعت إلى التأثير عليها لحملها على اتخاذ مواقف أقل تشدداً، فبعضها كالإمارات، احتفظ بعلاقات حميمة مع إيران وعلى جميع الأصعدة رغم استمرار قضية الجزر المحتلة، في حين أن بعضها الآخر، كالسعودية وعمان، تعرض لانتقادات متكررة من قبل إيران رغم الزيارات العديدة التي قام بها مسؤولون من الطرفين على مستوى الوزراء. لذلك فإن دول الخليج العربية وجدت نفسها في حالة لم تتوفر معها حلول سريعة للمشاكل القائمة بينها وإيران. فهل جاءت زيارة أحمدي نجاد لكي تكون نقطة البداية لحل هذه المشاكل وعودة صفو العلاقات إلى طبيعتها الحقيقية؟ نأمل أن نرى ذلك في القريب العاجل بإذن الله.