أصبح من باب الحكمة المأثورة المسلّم بها أن الإرهابيين المنتمين إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوبي آسيا، إنما يهاجمون المجتمعات الغربية ويستهدفونها بأعمالهم العدوانية، كرد فعل منهم على نزاعات منطقتهم، كالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي مثلاً. غير أن ذلك لا يمثل سوى عامل واحد فحسب من العوامل الكامنة وراء استهداف الإرهابيين للمجتمعات الغربية. فهناك الكثير من الشواهد والأدلة على أن الأيديولوجيات المتطرفة ذاتها، تنمو وتزدهر في الغرب أيضاً، حتى وإن كان منشؤها في بلدان وأراضٍ خارجه. وهذا ما يدركه جيداً الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي، ومستشاروه ومؤيدوه في الدوائر والأوساط الأكاديمية... لذلك يلحُّون على ضرورة أن تشدد كل من فرنسا وبريطانيا وبقية الدول الأوروبية المجاورة، إجراءاتها الرامية إلى دمج الجاليات المسلمة وغيرها من الكيانات المهاجرة إليها، في ثقافة وتقاليد المجتمعات المضيفة، على النحو الذي تمكن به المهاجرون الأفارقة والإيرانيون واللاتينيون من الاندماج الناجح في كيان المجتمع الأميركي المضيف. وقد أشار الخبير الفرنسي الكبير "أوليفر روي"، وقد عمل كصحفي في مجال تغطية المواضيع المتعلقة بالإرهاب والمهاجرين طوال عدة عقود، عندما أكد أن التطرف المحلي المنتمي إلى كل من شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، ليس قاصراً على حدوده المحلية فحسب. بل في حالات كثيرة كانت نشأته الأصلية في الغرب، أو أن يكون الغرب تلك التربة الخصبة التي نما وترعرع فيها. وعلى سبيل المثال، فقد تأثرت الحركات المناوئة للاستعمار الفرنسي في الجزائر والمغرب وتونس، بتشجيع ودعم المفكرين اليساريين الفرنسيين من أمثال "جان بول سارتر". وبالمثل كان "هنري أليج" الذي واصل دعمه لحركة التحرر الوطني الجزائرية على مدى ثماني سنوات، منتمياً للحزب الشيوعي الفرنسي. وكتب "أليج" كذلك عن استخدام الجيش الفرنسي المحتل، لوسائل التعذيب ضد مقاتلي "جبهة التحرير الوطني" الجزائرية التي تمكنت في نهاية الأمر من الفوز بإحدى أشرس الحروب وأكثرها دموية في القرن العشرين، وذلك بالإعلان عن استقلال الجزائر عام 1962. ولا تزال "الجبهة" تسيطر على مقاليد الحكم في البلاد، بموجب الانتخابات العامة التي شهدتها الجزائر في مايو، وعرفت انخفاضاً ملحوظاً في نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 35%. ويعود ذلك الانخفاض إلى حرمان الأحزاب الإسلامية المتطرفة من المشاركة، على إثر وقوع سلسلة من الهجمات والأعمال الإرهابية التي أعلنت مظلة إسلامية متطرفة مسؤوليتها عنها، أطلقت على نفسها اسم "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي". هذا وتكره غالبية الجزائريين الإرهاب -بمن فيهم الملايين الذين يقيمون حالياً في فرنسا- حيث لا تزال تعاود أذهانهم ذكريات وفظائع الحرب الأهلية التي شهدها عقد التسعينيات الماضي في بلادهم، والتي أشعل نيرانها المتطرفون الإسلاميون كرد على حرمانهم من فوز حسبوه أكيداً لهم بانتخابات عام 1992. وعلى صعيد آخر، فقد انغمس القادة الأوائل لحركات التحرر الوطني في كل من المغرب وتونس، حيث انتهى الاحتلال الفرنسي لهاتين الدولتين عام 1956، في الأيديولوجيات الديمقراطية والعلمانية الأوروبية بوجه عام. وعلى سبيل المثال، عمد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الذي حكم بلاده في الفترة بين عامي 1957 و1987، إلى تمكين النساء والدفع ببلاده على خطى التحديث. وتعمل كل من المغرب وتونس والجزائر على خوض معركة مستمرة لتحييد المتطرفين والإرهابيين الإسلاميين في مجتمعاتها. وبفعل هذه الضغوط، فقد فر بعض هؤلاء إلى الدول الأوروبية المجاورة. والدليل على ذلك مثول عدد من الإرهابيين المغاربة أمام المحكمة المختصة بالنظر في التهم المتعلقة بتفجيرات مدريد عام 2004، إلى جانب اعتقال ومحاكمة عدد آخر من التونسيين في إيطاليا. ولا ينفي هذا حقيقة أن عدداً من قادة الحركات الإرهابية قد ولدوا في الدول الغربية أصلاً. وخذ لهؤلاء مثالاً، إدانة زكريا موسوي، بسبب ضلوعه في هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة الأميركية. ومن بين هؤلاء كان أيضاً محمد عطا الذي قدم إلى الولايات المتحدة بصفته طالباً. بل الصحيح أن بعض الأفكار السياسية الراديكالية في أوروبا، تبلغ مبلغ العقيدة الدينية من حيث الوزن والتأثير الطاغي على الأفراد، في بعض الحالات. والملاحظ أن بعض المسلمين الذين ولدوا في بريطانيا، خاصة من شاركوا منهم في تفجيرات السابع من يوليو 2005 في العاصمة لندن، قد جرى تدريبهم في كل من أفغانستان وباكستان، إلا أنهم لم يعودوا إلى مواطنهم الأصلية، لأداء "واجب الجهاد" فيها. وبالنتيجة فكثيراً ما أدى هذا "الواجب" الإرهابيون المسلمون المولودون في الدول الأوروبية -أكانوا من أصول شرق أوسطية أو أفريقية شمالية- في دول أخرى أجنبية بعيدة عن مواطنهم الأصلية، كالبوسنة والشيشان وكشمير، ثم أخيراً العراق الذي هاجر إليه الكثيرون منذ الاحتلال الأميركي له صيف عام 2003. ومن باب المقارنة، فإن تنظيم "القاعدة" لم يبدِ حماساً أو اهتماماً يذكر بالدور المحلي الوطني الذي تؤديه حركة "حماس" في جبهة النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، طالما أن التنظيم يتبنى أيديولوجية عالمية تهدف لإقامة دولة إسلامية عالمية. ومنذ التفجيرات التي قام بها بعض المقاتلين الفلسطينيين في أوروبا الغربية قبل عقد مضى، فقد تضاءلت حالات نشاط بعض المجموعات الإسلامية الصغيرة المتطرفة، في دول أوروبا الغربية. ومن الأمثلة على هذا النشاط، ما شهدته كل من لندن ومدريد مؤخراً. ولهذا فإن من أوجب واجبات الحرب على الإرهاب، هو دمج الكيانات المهاجرة في جسم وثقافة المجتمعات الغربية المضيفة، على نحو ما حدث في الولايات المتحدة الأميركية. جون كي. كولي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"