"يوري أفنيري"، عضو الكنيست السابق ورئيس كتلة "السلام الإسرائيلية"، والذي أدرك استحالة تنفيذ المشروع الصهيوني في أوائل الخمسينيات، رغم أنه اشترك فيما يسمى حرب الاستقلال الصهيونية، أي حرب الاستيلاء على أرض فلسطين وطرد سكانها، وصف الدولة الصهيونية بأنها ليست دولة ديمقراطية، وإنما دولة ديموغرافية، أي أنها تحاول جاهدة أن تحافظ على أغلبية يهودية بأي ثمن وبأي طريقة. وقد كتب مقالاً بعنوان "شباك شالوم"، (المشهد الإسرائيلي 12 أبريل 2007) بيّن فيه أن الهاجس الديموغرافي يطارد الإسرائيليين بشدة. يقول "أفنيري" في مقاله إن "رئيس الشاباك (جهاز الأمن العام) أعلن منذ فترة وجيزة أن "عرب إسرائيل"، وهم خمس عدد السكان في الدولة، يشكلون خطراً على دولة إسرائيل. وطلب من الحكومة منحه التخويل بتفعيل الأجهزة الأمنية ضد كل من يطمح إلى تغيير تعريف "الدولة اليهودية والديمقراطية" الرسمي، حتى حين يقوم بذلك مستخدماً الوسائل القانونية، أي أن يطالب بتغيير القانون حتى يمكنه أن ينكل بالسكان الأصليين ويغتالهم بالقانون! وتتبدى هذه النزعة الديموغرافية الإقصائية على مستويات كثيرة أهمها المستوى القانوني والمستوى الوجداني الشعبي، ولنبدأ بالجانب القانوني. يلاحظ أن معظم المجتمعات الإنسانية يوجد فيها قدر من العنصرية والتمييز ضد الأقليات الإثنية أو الدينية وأحياناً الفئات الاجتماعية. ولكن الهيكل القانوني لكل الدول لا يسمح بهذا، رغم ممارسة التمييز على أرض الواقع. أما في الجيوب الاستيطانية، فإن التمييز العنصري جزء من الهيكل القانوني ذاته. فقانون العودة الصهيوني قانون عنصري حتى النخاع، باعتبار أنه يعطي الحق لأي يهودي في العالم أن "يعود" لوطنه القومي بعد غياب بضعة مئات من السنين، وينكر هذا الحق على الفلسطينيين الذين أُرغموا عن طريق العنف والبطش على مغادرة أرضهم ووطنهم ومنازلهم منذ بضعة سنوات. وهناك قوانين تمنع تشغيل غير اليهود على أرض تملكها الوكالة اليهودية، وهذا يعني كل الأراضي التي استولت عليها إسرائيل. هذه "العنصرية القانونية" تتبدى في هذا القرار الغريب. يذكر البروفيسور "يوسف مورين" (معاريف 18 يناير 2007) أنه قد صدر قرار بمنع أي إسرائيلي من أن ينقل في سيارة إسرائيلية داخل المنطقة، إنسانا ليس إسرائيلياً، إلا على حسب رخصة تُعطي له، أو تُعطي لنفس الشخص الذي ليس إسرائيلياً، من قائد عسكري أو ممن خول بذلك (أوامر في شأن الحركة والنقل العام- تقييد السفر في سيارة إسرائيلية، المادة 2/أ، 19/11/2006). ويضيف الكاتب أنه ليس على ثقة من أن قائد منطقة المركز، "يائير نفيه"، فهم فهماً عميقاً الآثار الأخلاقية والإنسانية الناجمة عن هذا الأمر إذا دخل حيز التنفيذ غداً، في التاسع عشر من كانون الثاني (يناير) 2007. لو كان فهم لما كان وقّع. ويذهب الكاتب إلى أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على المناطق المحتلة يضع حكومة إسرائيل في معضلة أخلاقية دائمة. إن أوامر تقييد حركة الفلسطينيين في المناطق المحتلة، التي توشك أن تدخل حيز التنفيذ، تثيرها مرة أخرى. إن قضية الأوامر التقييدية الجديدة ليست سياسية بل أخلاقية، تتجاوز الجدل السياسي المعتاد. إنها لبنة في الأسس الأخلاقية التي تقوم عليها الجماعة الدولية، والدولة اليهودية ونظامها السياسي. ولكن من أغرب القضايا ومن أكثر الأحكام عنصرية، بل وإيغالاً في العنصرية القضية التالية. لكن قبل أن أعرض لهذه القضية سأشير إلى مسرحية القاعدة والاستثناء للكاتب المسرحي "برتولد برخت". وتحكي المسرحية قصة تاجر يود أن يعبر الصحراء ليصل إلى آبار البترول قبل غيره. ويستأجر حمّالاً يحمل أمتعته. وفي أثناء رحلتهما عبر الصحراء. تنفد مياه التاجر. فيقدم الحمّال زجاجة الماء التي تخصه إليه، فيرديه الأخير قتيلاً ظنّاً منه أن الزجاجة لم تكن سوى قطعة حجر، وأن الحمّال– في واقع الأمر- كان ينوي قتله غدراً. وتحكم المحكمة ببراءة التاجر "لأنه يتصرف حسب القاعدة" (أن يتصارع أعضاء الطبقات صراعاً لا هوادة فيه) "أما تصرف الحمّال فكان استثناء" (أي أن يحب الإنسان أخاه الإنسان، ويقدم له المساعدة). وقد أكد التاجر هذا الموقف بقوله:"يجب أن تتبع القواعد (الاقتصادية) وليس الاستثناء (الإنساني)". ولذا فلا مجال للسلوك الفردي أو للاختيارات الحرة، "وحسب هذا المنطق المادي الصارم حتى لو افترضنا أن الحمّال كان في الواقع يعطي زجاجة الماء للتاجر، ولم يكن يحاول قتله بحجر كما كان يظن، فإن الأخير حينما أرداه قتيلاً إنما كان في موقف الدفاع عن النفس، لأنه لم يكن في طوْقه أن يفترض أن الشيء الذي في يد الحمّال إنما هو زجاجة وليس حجراً. فالمتهم لهذا السبب، كما قال القاضي، كان في حالة دفاع مشروع عن النفس، ولا يهم ما إذا كان التهديد الذي وجه إليه حقيقياً، أم أنه كان مجرد شعور بالتهديد من جانبه، أي أن الشعور الذاتي يجب الوقائع الموضوعية. لقد قمت بدراسة هذه المسرحية وتدريسها عدة سنوات، وكتبت عنها دراسة، وكنت دائماً أصنفها على أنها مسرحية رمزية إلى أن قرأت مقال "يغئال برونر" و"نيف غوردون" (هآرتس 9 مايو 2007) بعنوان "إسرائيل تبرر التمييز ضد فلسطيني 48 لأن مجرد وجود العربي يعتبر تهديداً لليهودي". وفوجئت بأن ما تصورت أنها مجرد رموز هو حقيقة واقعية يومية في الدولة الصهيونية، التي لا تكف عن التباهي بديمقراطيتها. وقد جاء في المقال– الذي أشرنا إليه- أن القاضي "نوعام سولبرع" نظر في قضية اتهم فيها "شموئيل يحزقيل"، الشرطي بحرس الحدود، بقتل "سمير داري" من سكان القدس بإطلاق النار عليه إثر مشادة لفظية مع الشرطة حين حاول تخليص شقيقه من الاعتقال. وقد قال القاضي صراحة إن "داري" لم يلمس الشرطي، ولم يعرض حياة الشرطي للخطر بأي شكل، وأنه كان في طريقه لمغادرة المكان، حين طارده الشرطي "يحزقيل" وأطلق النار عليه في ظهره من مسافة قصيرة. وأن المتهم ارتكب خطأ فظيعاً ورهيباً دون مبرر. حسناً، بعد كل هذه المقدمات القانونية الواضحة، ماذا كانت النتائج الذي استخلصها القاضي المحايد الموضوعي؟ قال القاضي إنه رغم كل هذه الأقوال القاطعة التي أوردها، فإنه تقرَرَ تبرئة ساحة الشرطي، وقال إنه رغم أنه من الناحية الموضوعية لم يكن الشرطي معرضاً للخطر، فإنه كانت توجد إمكانية معقولة بأن المتهم شعر بخطر ملموس على حياته من مغبة اعتداء عليه بغير وجه حق. وبتعبير آخر، فان المشاعر الذاتية للمتهم تغلبت على الحقائق على الأرض، وجعلت شرطياً أطلق النار في ظهر شخص بريء" بريئاً من تهمة اغتيال العربي. ويبدو أن هذا نمطاً متكرراً فحسب معطيات مركز "مساواة" أنه منذ سبتمبر2000 قتل 34 مدنياً عربياً على أيدي الشرطة، الحراس والجنود. ولم ترفع سوى أربع لوائح اتهام، لم تأت أي إدانة في أي حالة من الحالات. إن الفرضية الكامنة هنا هو أن العربي في العقل الإسرائيلي يشكل تهديداً للمستوطنين الصهاينة مهما كان سلوكه وأنه يكفي إحساس المستوطن الذاتي، لتجاهل المعطيات الموضوعية. والله أعلم.