وجد المحللون وأعضاء الكونجرس الأميركي سبباً جديداً يدعوهم للانخراط في سجال حول الوضع في العراق، وكأن الأسباب الموجودة بالفعل لا تكفي! هذا السبب الذي دعا هؤلاء المحللين وأعضاء الكونجرس لرفع أصواتهم بالنقد علناً، يرجع إلى ما أعلن من أن البرلمان العراقي، الذي يضم ممثلي الشعب يخطط لأخذ إجازة لمدة شهرين تبدأ من الأول من يوليو القادم ما يرونه دليلاً على أن أعضاء البرلمان العراقيين، يفضلون الذهاب إلى الشواطئ لقضاء العطلة على بذل ما في وسعهم لإنقاذ شعبهم. "كريس شييز" النائب "الجمهوري" يعلق على ذلك، عاكساً وجهة نظر الكثيرين ومنهم نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع "روبرت جيتس" وكلاهما حثا العراقيين على تناسى موضوع العطلة أو على الأقل تقصير مدتها، بقوله: "إذا ما قاموا بإجازة برلمانية في الوقت الذي تحارب فيه قواتنا فإن ذلك سيمثل إساءة بالغة". ليس هناك خلاف على أن فكرة أخذ إجازة برلمانية طويلة في مثل هذه الظروف، تعد فكرة سيِّئة من الناحية الرمزية على الأقل. أما من الناحية العملية، فإن متانة الاتفاقات التي يتوصل إليها قادة الكتل والفصائل الرئيسية أهم بكثير من طول فترة العطلة البرلمانية. ففي العراق، كما في الولايات المتحدة، فإن العمل الجدي لنواب البرلمان لا يتم في قاعة البرلمان، أو في اجتماعات اللجان، وإنما يتم وراء الكواليس حيث تعقد الصفقات وتبرم الاتفاقيات أثناء الليل حول أقداح الشاي. إن عمل النواب في مثل هذه الغرف المعبأة بدخان السجائر التي لا يزال تدخينها من العادات المتفشية في العراق، يمكن أن يستمر، سواء كان البرلمان في إجازة رسمية أم لا، والمهم هو أن يتفق هؤلاء القادة على البقاء في المنطقة الخضراء ولا يغادروها إلى الخارج. والولايات المتحدة في حاجة لمواصلة الضغط بشأن مشروعات القوانين المهمة لتحسين الأوضاع في العراق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مشروعات القوانين المتعلقة بتقاسم عائدات النفط، وتفكيك "البعث"، والانتخابات الإقليمية وضرورة بحثها والموافقة عليها كجزء من خطة شاملة للمصالحة. ولكن يجب علينا في ذات الوقت ألا نخدع أنفسنا، فنعتقد أن تمرير مشروعات تلك القوانين -وهو احتمال غير متوقع- بحلول سبتمبر المقبل، سيمثل نقطة تحول حاسمة في الحرب. كل ما قد يترتب على حدوث ذلك -إن حدث- هو إعطاء بعض المؤشرات للرئيس بوش ولـ"ديفيد بيتراوس" قائد القوات الأميركية في العراق، عن حدوث قدر من التقدم يمكنهما استخدامه كوسيلة لمطالبة الجمهور الأميركي بمزيد من الصبر وإعطاء "زيادة القوات" وقتاً وفرصة للنجاح. إن المهمة الأولى للعراقيين وللقوات الأميركية في الوقت الراهن هي إخضاع بغداد للسيطرة. ففي غياب الأمن، فإن أي اتفاقية يتم التوصل إليها في البرلمان، لن تساوي قيمة الورق الذي كتبت عليه، لأن كل طائفة من الطوائف المتنازعة لن تثق بالطائفة الأخرى، أو في جديتها في تنفيذ تعهداتها، وستجعل كل واحدة تميل للاعتقاد بأن الحل الأوحد لحل منازعاتها هو اللجوء إلى السلاح. فمن المبادئ المعروفة بشأن المفاوضات السياسية أن الطرف الذي يريد الدخول في مفاوضات عليه أولاً كسب الحرب، أو على الأقل البدء في كسبها قبل التفكير في الجلوس على طاولة المفاوضات، وليس العكس. هذا هو المفروض أن يتم، ولكن الأميركيين نافدي الصبر يطالبون بالنتائج حتى قبل أن يتم استكمال الزيادة في القوات، واستمرار أعضاء الكونجرس في بذل كل ما في وسعهم من أجل الضغط على الإدارة لإجبارها على سحب القوات من هناك. والسؤال هنا هو: ما هي التسويات التي يمكن للعراقيين أن يتوصلوا إليها مع أعدائهم اللدودين داخل العراق إذا ما اعتقدوا أن القوات الأميركية على وشك الانسحاب من العراق، وأن هناك حرباً أهلية كبرى على وشك أن تندلع؟ إن السياسيين العراقيين لن يقدموا تنازلات جدية، إلا إذا ما شعروا بأن هناك درجة معقولة من التأكيد أن حكم القانون -وليس حكم صناع المتفجرات والقنابل- هو الذي سيسود. وتحقيق ذلك يقع في المقام الأول على عاتق القوات الأميركية وقوات الأمن العراقية التي يمكنها أن تمضي قدماً في عملها، سواء كان البرلمان العراقي في حالة انعقاد أم كان في عطلة. وفي رأيي أن التحدي المُلح الذي يواجه الحكومة العراقية في الوقت الراهن، هو قدرتها على تقديم الدعم الكافي الذي تحتاجه قواتها في الميدان، بدءاً من السلاح، ومروراً بالطعام، وانتهاء بالرواتب، وهي كلها مجالات قصرت فيها الحكومة بشكل واضح. فضلاً عن ذلك، نجد أن حكومي "نوري المالكي" في حاجة ماسة لإنفاق المزيد من الميزانية المخصصة لها، وخصوصاً فيما يتعلق بإرسال المزيد من الأموال إلى محافظة الأنبار وغيرها من المحافظات السُّنية، من أجل إقناع السُّنة بأن الشيعة القابضين على زمام الأمور في بغداد جادون فيما يتعلق باقتسام السلطة. وسيكون هذا في حالة تحققه، مؤشراً طيباً ودالاً على النية الصادقة للحكومة. وفي رأيي أنه سيكون أكثر أهمية من اجتماع ممثلي الشعب من أجل سن تشريع قد يجد طريقه للتنفيذ، وقد لا يجد. غير أن ذلك يجب ألا يكون عذراً للساسة العراقيين الذين يتعين عليهم بذل المزيد من الجهد من أجل إنهاء العنف الذي يمزق بلادهم، وإن كان واجب الإنصاف يستدعي مني في نفس الوقت القول إن مشرِّعي القوانين والساسة الأميركيين الذين تتناقص شعبيتهم على نحو مطرد، ليسوا في موضع يسمح لهم بتوجيه أصابع الاتهام وعبارات النقد للسياسيين العراقيين الذين يمارسون واجباتهم تحت تهديد مستمر بالموت في أي لحظة. كما أنه من الغريب أن نرى مشرعي القوانين لدينا ينتقدون أعضاء البرلمان العراقي، لأنهم سيشرعون في عطلة برلمانية، على رغم أنهم هم ذاتهم قد ذهبوا تواً في إجازة برلمانية مع أن المناقشات الخاصة بتقديم المخصصات المالية لقواتنا التي تحارب في العراق لم تستكمل بعد. وليس هذا فحسب بل إنهم يخططون لأخذ إجازة أخرى في شهر أغسطس القادم. قد يقول قائل إن الأوضاع في أميركا غير الأوضاع في العراق وإن ما ينطبق على المشرعين الأميركيين لا ينطبق على المشرعين العراقيين، الذين تخوض بلادهم حرباً طاحنة. قد يكون هذا صحيحاً، ولكن من الصحيح أيضاً أن هناك رجالاً ونساءً أميركيين يحاربون الآن في العراق وفي أفغانستان، وهو ما يعني أننا نحن أيضاً نخوض حرباً. ماكس بوت كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"