مع وصول أسعار النفط إلى مستوى قياسي جديد، علينا أن نفكر فيما يلي: على رغم أن صفحات التاريخ تحفل بالنماذج لدول وجدت نفسها مجبرة على تغيير سياساتها المحلية والأجنبية بسبب الافتقار إلى موارد طبيعية، فإن هناك نماذج محدودة ومعروفة لدول كانت لديها القدرة على تجنب هذا الوضع ولكنها أخفقت في ذلك. وأحوال الطاقة في أميركا في الوقت الراهن تقدم نموذجاً لافتاً على مثل هذا الإخفاق، وذلك كما يتبين مما يلي: أولاً، إن أميركا معرضة بصورة كبيرة لانقطاع وارداتها من النفط. ثانياً، إن هذا الاعتماد على النفط له تأثير هائل على سياساتها الخارجية والاقتصادية والعسكرية. ثالثاً، كان بمقدور الولايات المتحدة التخفيف من درجة انكشافها لو كانت قد اتخذت إجراءات حاسمة بعد قيام العرب بحظر تصدير النفط (في ذلك الوقت كانت أميركا تستورد ما نسبته 35 في المئة من النفط الذي تقوم باستيراده مقارنة بـ60 في المئة في الوقت الراهن). رابعاً، لم تتبع أميركا في أي وقت خطة موثوقة تقلل من اعتمادها على النفط، وهو ما يرجع إلى الافتقار إلى الإرادة السياسية في المقام الأول. في عام 1975، اغتنم الرئيس "فورد" خطاب "حالة الاتحاد" كي يُطلع الشعب الأميركي على مدى خطورة الاعتماد المتزايد على النفط الأجنبي وذلك عندما قال: "نحن في الولايات المتحدة لا نستطيع أن نعفي أنفسنا من اللوم، لأن اعتمادنا المتنامي على المصادر الخارجية، كان يساهم في زيادة درجة انكشافنا لسنوات طويلة، ولكننا لم نفعل شيئاً لإعداد أنفسنا لاحتمال إيقاف تصدير النفط من الدول المنتجة كما حدث عام 1973". ولم يكتف "فورد" في ذلك الوقت بمجرد التعبير عن قلقه وإنما أعد خطة من أجل التغلب على مثل هذا التهديد. تمثلت هذه الخطة فيما أعلنه "فورد" آنذاك عندما قال: "برنامجي خلال السنوات العشر القادمة يقوم على إنشاء 200 منشأة نووية كبرى، و250 منجم فحم كبيراً، و150 مصنع طاقة يعتمد على الفحم، و30 مصفاة نفط كبرى، و20 مصنعاً كبيراً للوقود الاصطناعي، بالإضافة إلى التنقيب عن عدة آلاف من الآبار الجديدة، وتصنيع وبيع ملايين السيارات والشاحنات والحافلات التي تستهلك كميات أقل بكثير من الوقود من الأنواع الحالية". لقد كان من الواضح أن خطة الرئيس "فورد" لو كان قد جرى تنفيذها لكانت قد قللت من اعتمادنا على استيراد النفط، ولكن كان من الواضح أيضاً أنها كانت ستزيد من أكلاف الطاقة، ومن المشكلات البيئية. وفي ذلك الوقت اشتكى الليبراليون من "المبالغة" في جهود إنتاج الطاقة الجديدة، كما اشتكى "اليمينيون" من التدخل الحكومي المفرط. وبينما كان الكونجرس يناقش المسألة، تم استئناف استيراد النفط مجدداً من الشرق الأوسط في ذلك الوقت، مما أدى إلى هبوط الأسعار. وقام الخبراء الاقتصاديون في الكونجرس آنذاك بتقديم اقتراحات جديدة كانوا يرونها كفيلة بالوصول إلى أسعار مناسبة للنفط الخام، وذلك لتجنب تناول الدواء المر الذي كان الرئيس "فورد" قد وصفه. غير أن تلك الاقتراحات السعرية تضمنت عيبين رئيسيين: العيب الأول، أن "أوبك" كانت لديها وجهة نظر عما هو"مناسب" تختلف عن وجهة نظر الحكومة الأميركية. أما العيب الثاني، فهو أن القوانين الطبيعية الخاصة بالعرض والطلب لم تنطبق على تلك الحالة حيث كانت إمدادات النفط تتحدد بعدد براميل النفط التي يرغب منتجو النفط في ضخها وتكريرها ونقلها في لحظة زمنية معينة، وهي أمور كانت تتأثر بالسياسات الدولية، أي سياسة كل دولة على حدة بأكثر من تأثرها بالسياسات الاقتصادية لكل دولة. فمن المعروف أن تقلب الأسعار الناتج عن هذه السوق الفريدة من نوعها، قد أدى لفترة طويلة من الزمن إلى دفع المشروعات لتقليص استثماراتها في مجال إنتاج أنواع الطاقة الجديدة. واستجابة لمقتضيات ذلك الوضع، عملت إدارة "فورد" على دراسة طرق عديدة لتحديد حد أدنى لأسعار النفط، مع ضمان زيادة سنوية في السعر على امتداد فترة زمنية تتراوح ما بين 15 إلى 20 عاماً. وكان المنطق المتبع آنذاك، هو أنه إذا ما كانت الصناعة تستطيع الاعتماد على زيادة محددة سلفاً في الأسعار، فإنها يمكن أن تضخ الاستثمارات الضرورية في عمليات الإنتاج، وفي تقنيات المحافظة على الطاقة. وعلى رغم أن ذلك كان بمثابة فكرة تستحق الاهتمام في ذلك الوقت، فإن "الليبراليين" مع ذلك عبروا عن غضبهم الشديد تجاه هذه الفكرة، كما أن "المحافظين" سخروا منها، مما أدى إلى موتها في نهاية المطاف. وفي ذلك الوقت -أي في عهد إدارة "فورد"- مرَّر الكونجرس عدداً محدوداً من الإجراءات المتواضعة، التي تضمنها برنامج "فورد" بما في ذلك الإجراء الذي عرف باسم "الاحتياطي النفطي الاستراتيجي"، الذي كان يهدف إلى مراكمة مخزون نفطي كبير، يمكن اللجوء إليه إذا ما قررت الدول المصدرة للنفط إيقاف التصدير من هذه المادة أو تقليصه، ولكن ذلك الإجراء كان أقل مما هو مطلوب بكثير. ويمكن القول إن برنامج "فورد" -على ما احتوى عليه من نقائص- كان المحاولة الوطنية "الحقيقية" التي قامت بها الإدارات الأميركية المتعاقبة لتقليل درجة انكشافنا في موضوع الطاقة. فـ"جيمي كارتر" تحدث عن الموضوع كثيراً، ولكن إنجازه الوحيد في ذلك المجال، كان إنشاء ما عرف باسم "مؤسسة أنواع الوقود الاصطناعي"، التي كان من المفترض أن تعمل كرأس حربة للجهود الأميركية في مجال اكتشاف بدائل للطاقة خلال فترة زمنية قصيرة، ولكن تلك المؤسسة تحولت إلى مشروع فاشل على رغم أنه تكلف عدة مليارات من أجل تنفيذه. وعندما جاء الرئيس "رونالد ريجان"، قدم حزمة من الحوافز من أجل زيادة إنتاج النفط والغاز المحليين، وقام بتفكيك مؤسسة أنواع الوقود الاصطناعية المشار إليها في الفقرة السابقة -وهو ما كان يمثل إجراء حكيماً في ذلك الوقت في نظري- ولكنه لم يمض إلى ما هو أبعد من ذلك. وعندما جاء جورج بوش الأب، وبيل كلينتون ومن بعده جورج بوش الابن، اتبعوا المقترحات الداعية إلى فتح المزيد من الأراضي العمومية لإنتاج النفط، وكذلك المقترحات الخاصة بفرض إعانات ضريبية لإنتاج "الإيثانول"، وإنتاج أنواع السيارات التي تستهلك مقادير من الطاقة تقل عن غيرها وسوى ذلك من أنواع البحوث وبرامج التنمية، ولكن لم يكن لأي من ذلك أي تأثير على وارداتنا من النفط. وهكذا فإننا، وبعد مرور ما يزيد على 30 عاماً على الأزمة النفطية التي حدثت في سبعينيات القرن الماضي، نجد أن أسعار النفط قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وأن اعتمادنا على النفط المستورد قد زاد كثيراً عما كان عليه في ذلك الوقت. ونظراً لأن أحد المرشحين الحاليين للرئاسة سيرث هذا الوضع -إذا ما قدر له أن يصبح رئيساً- فإنني أرى أن الواجب يحتم علينا أن نطلب من واحد منهم أن يفصح عن تفاصيل خطته في مجال الطاقة. وبمقدوري هنا تحديد بعض القواعد الأساسية في هذا المجال. فأي استراتيجية موثوق بها تحتاج إلى تخفيض استهلاك النفط، وزيادة إنتاجنا من إمدادات الطاقة الأخرى. علاوة على ذلك، فإن جميع التدابير والإجراءات الموجودة في تلك الخطة، يجب أن تضاف إلى تدبير يعد هو الأهم في نظري، ألا وهو تحقيق خفض كبير في النفط المستورد في المدى القريب نسبياً، أي خلال فترة تتراوح ما بين 10 إلى 12 عاماً. ولديَّ أيضاً في هذا السياق عدد من الاقتراحات: أولاً: أن أسعار البنزين يجب أن ترسل الإشارة الصحيحة للمستهلكين كي يقوموا بتغيير سلوكهم في القيادة وشراء السيارات. فعلى مدى سنوات طويلة، كانت هناك مطالبات تدعو إلى فرض ضريبة تتراوح ما بين 10-20 سنتاً على الجالون ولكنها تعرضت إلى عراقيل عديدة. وعلاوة على ذلك فإننا نرى أن الأسعار تتذبذب داخل هذا النطاق (10- 20 سنتاً) على أساس أسبوعي تقريباً، ومع ذلك فإن أصحاب السيارات يظنون أن هذه الزيادة وقتية، ولا يقومون بالتالي بتغيير سلوكهم في القيادة، هذا فضلاً عن أن قرارات شراء السيارات على المدى الطويل، لا يتم تأسيسها بناء على تذبذبات الأسعار التي تتم في المدى القصير. ولكي نضمن أن تكون إشارات الأسعار متسقة وواضحة، فإننا نستطيع أن نفرض زيادة كبيرة على البنزين –50 سنتاً على الجالون الواحد مثلاً- على أن يكون ذلك بمثابة بداية، تتلوها زيادة أخرى في تلك الضريبة بمبلغ 50 سنتاً أخرى في كل عام من الأعوام الثلاثة التالية (مع عمل خصومات لدافعي الضرائب الذين ينتمون إلى شرائح الدخل الأقل) والمداخيل المتحصلة من هذه الزيادة الضريبية على استهلاك البنزين، يمكن استخدامها في زيادة إنتاج السيارات التي تتصف بالكفاءة في استهلاك البنزين. والطريقة الأخرى التي يمكن أن نفطم بها أنفسنا عن إدمان النفط هي أن نستأنف بناء منشآت الطاقة النووية. فالطاقة النووية، هي أرخص وأفضل بديل عن الكهرباء في أميركا، غير أن مشروعاتها تعطلت أو تم تعطيلها بسبب مناقشات عقيمة استمرت عقوداً. إن منشآتنا التجارية العاملة في مجال الطاقة النووية لديها سجل ممتاز في السلامة والأمان، وليس هناك من شك في أن التطور التقني الملحوظ في هذه الصناعة، سيساعد على استخدام تصاميم جديدة في البناء ستؤدي بالتأكيد إلى زيادة فعالية تلك الطاقة. ولكن السؤال الذي يواجهنا هنا هو كيف يمكن لواشنطن أن تساعد في ذلك؟ والإجابة هي: أنها يمكن أن تساعد في ذلك من خلال صياغة تشريع فيدرالي لتسهيل إجراءات ترخيص إنشاء منشآت جديدة والموافقة على تخصيص الأراضي اللازمة لها. العناصر الأساسية في أي سياسة مسؤولة للطاقة ليست معقدة، ولكن السياسات المتبعة في هذا المجال غالباً ما تكون بالغة السوء، وهنا تكمن المشكلة. غير أن ذلك لا يعني أن نواصل تلك الخطابية الفارغة في تناول هذا الموضوع، وأن نستخدم شركات النفط ككبش فداء، وأن نعتمد على قواتنا المسلحة من أجل ضمان استمرار تدفق النفط. لقد قلت ذات مرة للرئيس "فورد" إن بعض مقترحاتنا الخاصة بالطاقة كانت تتسبب في غضب "الديمقراطيين" و"الجمهوريين" على حد سواء، فكانت إجابته عليَّ هي: "إذن يجب علينا أن نعمل على تعديل تلك المقترحات إذا ما كان الأمر كذلك حقاً". ولا يسعني في نهاية هذا المقال سوى أن أتمنى من صميم قلبي أن يظهر المرشحون لمنصب الرئاسة هذا النوع من الشجاعة الذي أظهره "فورد". فرانك جيه. زارب مساعد الرئيس الأميركي الأسبق جيرالد فورد لشؤون الطاقة ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"