"الدم الفلسطيني خط أحمر"، "توجيه البنادق، فقط نحو العدو"، "الحرص على الوحدة الفلسطينية"... مصطلحات سقطت وداست عليها أقدام الملثمين في شوارع غزة. فما يجري صراع عبثي على سلطة قابعة تحت حراب الاحتلال، تخوضه قوى في "فتح" و"حماس"، في نطاق خدمة مجانية تثبت للعالم المقولة الإسرائيلية بشأن "عدم نضج الفلسطينيين للاستقلال وإمكانية إدارتهم لأوضاعهم"! ونحن نسأل: لماذا تسقط الهدن بينهما كل مرة وكأن الضغط على الزناد بات أمراً سهلاً لا يحتاج إلى كثير عناء؟! هذا مع أن الخيار واضح: الاشتراك من خلال وحدة حقيقية، أو التقاتل من أجل الإلغاء والإقصاء. وتمنينا لو أن الفصيلين الأكبر باتا مقتنعين بأن "الحل" يقع في الوحدة من أجل الوطن، وليس إقصاء أو تهميش الآخر، بغض النظر عن الدوافع؛ سواء أكانت اختلاف المبادئ والبرامج السياسية أو كانت تضارب المصالح الفصائلية والشخصية الأنانية... وكلها قائمة بين الجانبين. من المؤسف أن لا تدرك قيادتا الحركتين أن الوحدة هي الطريق الأمثل، وأن التعلم من تجربة الآخرين ليس عيباً. ففي التاريخ، سواء القديم أو الحديث، العديد من التجارب المؤكدة. فالتجربتان الأحدث: الأيرلندية الشمالية، والكردية، هما أكبر مثالين حيين على فشل سياسة الإقصاء والإلغاء مقابل سياسة التشارك والوحدة. فالأولى، وبعد ثلاثين عاماً من الصراع الدموي، نجحت عام 1998 في إبرام اتفاق تاريخي للمصالحة الوطنية وتقاسم الحكم بين الكاثوليك والبروتستانت. لكن مخاض تشكيل السلطة المشتركة كان طويلاً وجابهته عثرات أدت لتعليق عمل البرلمان المحلي في عام 2002 بعد انقطاع التواصل بين الطرفين. ولم تحل القطيعة دون استئناف الحوار حتى عاد فأثمر في إبريل الماضي تفاهماً أعاد الحياة للبرلمان، وجرى الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة مشتركة، مع تصميم شديد على إنجاح التفاهم بين الطرفين اللذين أعلنا انتهاء المواجهة العنيفة المستمرة منذ قرون بين أتباع المذهبين. وكان الاتفاق قد نصّ على أن أي تغيير في الوضع الراهن لايرلندا الشمالية لا يمكن أن يتم إلا بموافقة أغلبية شعبها. وفي سياق مشابه، وبعد سقوط الآلاف في المعارك بين حزبي "الاتحاد الوطني الكردستاني" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني"، أقدم ذانك التشكيلان في خطوة استراتيجية، على توقيع اتفاقية توحيد إدارتي إقليم كردستان في 21 يناير 2006، إقراراً من زعيمي الحزبين بمسؤوليتهما، وتحقيقاً لطموح جماهير الإقليم، وتلبيةً لما يمليه المسار السياسي السليم للحزبين، وهو ما يعني نضج القيادة الكردية واهتمامها بالمصالح الذاتية الوطنية ووضعها فوق المصالح الحزبية الضيقة. إننا نفهم تمسك كل من "فتح" و"حماس" بمبادئه المختلفة، بل إنهما غير مطالبتين بالتخلي عنها، لأنها الهوية الخاصة بكل منهما، علماً بأن القواسم المشتركة بينهما كثيرة، وأهمها العمل معاً على إزالة الإحتلال من أراضي عام 1967، وهو "جامع" مدعـوم بقرارات الشرعية الدولية، وكل الفلسطينيين متمسكون به كأساس للمشروع الوطني. ويتركز الخلاف بينهما حول الأساليب والتكتيكات لتحقيق ذلك المشروع. هذا هو الأصل الذي يجب الانطلاق منه. أما إن ظن أي منهما أن لا أحد سواه على الساحة الفلسطينية، فالاعتماد على المغامرات سيكون "الطريق" الحتمي أمامهما للتضحية بأي إنجاز فلسطيني. ومع إيماننا بأن كليهما معرض لأن يصيب أو يخطىء، فإن كلاً منهـما مطالب بحوار جاد ومسؤول، لصياغة برنامج وطني شامل متفـق عليه، وللحفاظ على القـرار الفلسطيني الوطني بدلاً من إدخال القـرار والقـضية في أي محور أو أجـندة بديلة لمظلة الشرعـية الوطنية الفلسطينية. فقضية عادلة، كقضيتنا، يجب أن نحميها بالإجماع الوطني. أما سياسة الإقصاء والإلغاء فإنها تعني وضع مصلحة الوطن على الرف وضياعها بين ثنايا المصالح الحزبية الضيقة ونهج المحاصصة الذي رسخته الحركتان. إن اقتناع أي من الحركتين "بضرورة" إخراج الآخر من اللعبة وإفشال أي حكومة (حتى وإن كانت حكومة للوحدة الوطنية) بات واضحاً في كثير من تصرفاتهما. فوسائل الإعلام التابعة لأي من الحركتين لم توقف هجومها وتشهيرها بالحركة الأخرى وإثارة الجماهير ضدها وكأنها لم تسمع باتفاق مكة. ثم إن التوافق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لم يؤد إلى تطبيع العلاقات بين السلطة والحكومة، فلا يزال كل طرف يتصرف وحيدا وبمعزل عن "شريكه"! بمعنى أن الممارسات على أرض الواقع توحي بأن ثمة حكومتين وليس حكومة واحدة، الأولى في رام الله والثانية في غزة. صحيح أنه لن تتخلى أية قيادة سياسية عن مسؤولياتها، ونحن لا نطالب بذلك، لكن هل يعقل أنه، طوال عام كامل، لم تستطع "فتح" و"حماس" التوصل إلى نوع من التوافق على إدارة الأمور، خاصة في القطاع، وإيجاد معادلة ما تتيح التعايش بين نظام الرأسين (السلطة والحكومة)؟‍ يبدو -والله أعلم- أن وراء الأكمة ما وراءها. فالأزمة الحاصلة ليست فقط نتاج التعارض بين موقعي الرئاسة، أو بسبب الخلاف على المشروع السياسي للحركتين، ولا تتعلق فحسب بكيفية إدارة كل طرف للعبة السياسية، أو تعاطيه مع أمراء الحرب والمرتزقة. فرغم أهمية كل ما سبق، ترتبط المعضلة بأزمة هاتين الحركتين: القطبان الرئيسيان في الساحة الفلسطينية. فمشكلة "فتح" تكمن في أنها أخفقت –أحياناً- في خياراتها السياسية، فلم تنجح في خيار التسوية وبناء الدولة واستثمار الانتفاضة، أو هي –أحياناً- لم تستوعب كامل المتغيرات الحاصلة في الساحة الفلسطينية، بل ولم تسع لتجديد نفسها بعد هزيمتها في الانتخابات. وبالمقابل، فشلت "حماس" –أحياناً- في فرض صدقيتها في إدارة الوضع الفلسطيني. فرغم معارضتها لاتفاقات أوسلو التي سمحت بتشكيل السلطة، قبلت بتشكيل حكومة في ظل الاحتلال، لكن دون أن تخرج من عباءة المقاومة والمعارضة والطرح العام القائم على الشعاراتية. إن الأزمة تحتاج إلى علاجات نوعية مختلفة على رأسها تجديد بنية الحركة الوطنية الفلسطينية وشعاراتها وأشكال عملها بما يتلاءم والتطورات الحاصلة، وذلك للإسهام في ولادة نظام فلسطيني جديد، يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التنظيمية والسياسية الحاصلة، والتوافق على استراتيجية سياسية وميدانية تنسجم معها. ويسبق هذا كله الاستخلاص بأن اقتتال "الأخوة الأعداء" لن يوصل إلى نتيجة، ولن يحل الأزمة بين الحركتين، ولن يوجد معادلة ما للازدواجية في السلطة، ولن يجبر أياً منهما على التخلي عن برنامجه. إذن فالبديل عن انعدام الثقة يكمن في قبولهما واحترامهما لعقلية التشارك وليس الإقصاء على قاعدة التعددية في النظام السياسي، والإيمان بأن زمن احتكار القرارات قد ولى، وكل ذلك عن طريق الاحتكام لوسائل الحوار والطرق السلمية الديمقراطية... إن هما استطاعا إلى ذلك سبيلاً!