كنت أتمنى أن تأخذ ردود وزارة التربية على أسئلة أعضاء المجلس الوطني، مساحة واسعة من التشخيص والدراسة والتحليل والقراءة، لأن التعليم أساس بناء المجتمع وأهم الأهداف التي ترتكز عليها حركة التنمية. هو أمن قومي ووطني وشأن مجتمعي، يتحدد من خلاله مستقبل الوطن والأمة وعقول أجيالنا القادمة، لذلك فمحاولات الإصلاح والتطوير الجارية الآن في التعليم لا يمكن أن تنجح إذا انبنت على قرار فردي، وإذا لم يتوفر لها عنصر المشاركة المجتمعية، أي مشاركة أكبر عدد ممكن من فئات المجتمع، وخاصة الكفاءات العاملة في التعليم من أهل الوطن. هذا ما يحدث بالفعل في غالبية الدول التي حققت أعلى مستوى من التقدم والنهضة، خاصة في مجال العلم والصناعة والتكنولوجيا الدقيقة، حيث إن "صناعة القرار التربوي" لديهم لا ينفرد بها الوزير وحده. فألمانيا مثلاً، لا تقرر أي تعديل في النظام التعليمي أو فيما يتعلق بالعملية التعليمية (مناهج، مراحل دراسية، امتحانات... إلخ)، دون دراسة واسعة تستغرق سنوات طويلة وتشخيصاً علمياً ومنهجياً دقيقاً، وتجريباً وشراكة مجتمعية يدخل فيها العديد من المختصين وأصحاب الخبرة الألمان والهيئات المجتمعية. ونحن هنا لدينا مئات من أهل العلم والفكر والاختصاص والخبرة والرأي، فلماذا لا نشركهم في صناعة القرار التربوي؟ لماذا لا نوفر لهم الدعم المادي والمعنوي كي نجعلهم أهم من الخبراء الأجانب؟ إن العالمية لا تتحقق إلا إذا كان الفكر المنتج محلياً يعبر عن بيئة المجتمع نفسه، وهذا ما تؤكد عليه مؤسسة "نوبل" العالمية، بعد أن أثبتت العديد من الدراسات والتجارب فشل تجربة النماذج والنظريات المستوردة والخبير الأجنبي. ونستشهد هنا بما قاله رئيس مجلس إدارة شركة "تطوير" العضو في دبي القابضة، خلال الجلسة الختامية للمنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الأوسط الذي عقد مؤخراً في الأردن: "إن تطبيق الأنظمة والأساليب والإجراءات الغربية في الشركات العربية أثبتت فشلها في العديد من الحالات، والنموذج العربي هو الوحيد الذي سيساعد الشركات العربية على التعامل بصورة صحيحة مع الواقع العربي". لقد فشلت العديد من تجارب التطوير التربوي، لأنها لم تضع المشاركة المجتمعية كأساس لصناعة القرار، ولم تضع الكفاءات والقيادات الإدارية المناسبة في المكان المناسب، واعتمدت على استيراد الخبير الأجنبي، ولم تراعِ خطوات المنهج العلمي الصحيح. ولعل ما يحدث الآن يمثل تكراراً لذلك التوجه، فقد طرح مشروع الإصلاح التربوي دون مشاركة أو تجريب أو دراسة، ولم يستند في الأساس إلى الكفاءات والخبرات المواطنة، وعوض عن ذلك بتضخيم المشروع إعلامياً، وهو ما يزال على الورق، وإعطائه الصفة العالمية والنصر المسبق، حتى قبل معرفة النتيجة النهائية. وأوضح مثال على ذلك المشاريع الثلاثة التي تم تطبيقها، نظام الثانوية الجديد -برنامج "توفل"- "السيبا": فبالنسبة للأول، كشفت قراءة نتائج امتحانات الفصل الدراسي الأول، للصف الثاني عشر بفرعيه الأدبي والعلمي، عن تدني نسبة النجاح عند الطلاب في معظم المواد الدراسية، والسبب أن الوزارة أقدمت على رفع الحد الأدنى للنجاح من 40% إلى 60% دون التمهيد لذلك. وبالنسبة للثاني، أي اختبار اللغة الإنجليزية الدولي (IELTS) المؤهل للحصول على "التوفل"، فقد أسفرت نتائج الامتحانات عن فشل 318 مديراً ومديرة مدرسة من بين 389 في الترشيح لاجتياز الامتحان النهائي المقرر لهم بتاريخ 9 يونيو، مما دفع الوزارة إلى تعليق الاستمرار في الدورة للمديرين الذين رسبوا. أما الثالث، أي امتحان "السيبا"، فقد شكل صدمة قاسية للطلاب ووصفه بعضهم بالتعجيزي، بل قال أحدهم إن "هذا المستوى من الامتحان يرسب طلاب الماجستير الدارسين في بريطانيا"، إذ تم تطبيق النظام فجأة ودون مقدمات، مما جعل كثيراً من طلاب المرحلة النهائية يتذمرون منه.