لقد ساد المؤتمر الصحفي الأخير، الذي عقد مؤخراً في البيت الأبيض، بين الرئيس بوش وحليفه توني بلير، الكثير من أجواء الخوف والقلق. فبالنسبة لبوش، كان ذلك المؤتمر تذكيراً بدنو انحسار حلفائه ومؤيديه في قمة الحكومات والدول الصديقة، في حين بدا ذلك المؤتمر في عيون توني بلير، بمثابة الظهور "القنصلي" الأخير في روما الإمبراطورية. وحتى في حال قبول الإمبراطورية وترحيبها مجدداً بتوني بلير -سواء كان في رئاسة مؤسسة خاصة مكرسة للتوفيق بين الأديان السماوية، أم كان مرشحاً من قبل الولايات المتحدة الأميركية لرئاسة البنك الدولي- فإنه لن يقدر له مطلقاً أن يكون النصف الكامل من تلك العلاقة الوطيدة الخاصة التي ربطت بين ديمقراطي اشتراكي بريطاني من جهة، ورئيس أميركي "جمهوري". ولا يزال الطرفان على قناعة بأن علاقتهما السابقة كانت مثمرة وتاريخية على حد سواء. ولكن يظل السؤال قائماً: ما الذي حققته تلك العلاقة على وجه التحديد؟ هنا يختلف الأمر كثيراً بين الديمقراطيين الاشتراكيين البريطانيين، ونظرائهم "الجمهوريين" الأميركيين. فمن جانبهم يسود الاعتقاد في أوساط "الجمهوريين" الأميركيين، أن تلك العلاقة قد ساعدت كثيراً في تمتين الأواصر الخاصة للرباط الأنجلو- أميركي. ولا تزال مشاعر الإعجاب والزهو طاغية على "الجمهوريين" بتلك الكلمة الفصيحة البليغة التي أعلن فيها بلير عن مساندته للأهداف الأميركية إثر وقوع هجمات 11 سبتمبر. ويشمل هذا الإعجاب الساسة الأميركيين على يمين ويسار العملية السياسية، ممن يشتدون اليوم في معارضتهم للحرب على العراق، إذ يسلّمون بأن بلير كان على قدر كبير من الجسارة والتشخيصية النادرة في دفاعه عن قرار شن الحرب، بل في صياغة المسوغ الرئيسي لشنها. وللسبب عينه، فقد ساد اعتقاد واسع النطاق في أوساط الأميركيين عامة، بأن أصدقاءهم البريطانيين هم الذين يعول عليهم ويتوقع منهم الوقوف إلى جانب بلادهم، عندما يشتد وطيس الحرب وتعلو نيرانها. أما الديمقراطيون الاشتراكيون البريطانيون فقد سيطر عليهم شعور مزدوج بالغبن والسعادة في آن. ذلك أنهم ظلوا على شكوكهم العميقة منذ وقت ليس بالقريب، في ما يقال عن "خصوصية العلاقة" التي ربطت بين بلادهم وواشنطن، خاصة وأنهم يرون أن حليفهم الأميركي هو المستفيد الأكبر من هذه العلاقة الخاصة. ولذلك فليس مستغرباً أن يرى هؤلاء في تلك العلاقة، ضرباً من الوهم أو السراب الذي يعمي أبصار البريطانيين عن تبيُّن مصالح بلادهم الفعلية والحيوية بوجه عام، وعن مصير بريطانيا بصفتها دولة من دول الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص. ومن هنا فقد تفشى الشعور بالغبطة والشماتة على ما بدا واضحاً من حطام سياسات بوش- بلير في العراق خاصةً. ذلك أن العراق قد أصاب بحجر واحد، كلاً من "خصوصية" العلاقة المزعومة هذه في نظرهم، ورئيس الوزراء نفسه. وبسبب ما شاع من اتهام بلير بكونه "تابعاً" لبوش لا أكثر، فقد لحق بتلك التهمة أو الصفة، اعتقاد واسع النطاق أيضاً بأنه أخضع مصالح بلاده ودورها العالمي، لمصالح ودور أميركا ورئيسها "الفاشل" بوش. غير أن هذه قراءة خاطئة لوقائع التاريخ ومجرياته في اعتقادي الشخصي. وإحقاقاً للحق، فإن ما عرف فعلاً عن بلير، هو كونه "جماعياً" بقوة، وليس "أحادياً" كما زعم البعض. فقد سبق له أن تدخل في كل من سيراليون وحث الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون على أن يكون أكثر حزماً وشدة إزاء أزمة إقليم كوسوفو أيام مجازر البلقان، في حين لا يزال الرئيس الحالي بوش، على ميله للحذر والمحافظة إزاء القضايا المتصلة بالسياسات الخارجية. وهناك الكثير في سيرة بلير وحياته السياسية مما يدعم حقيقة اتخاذه المستقل لقرار إرسال قوات بلاده إلى العراق، وكذلك استقلال قراره بشن حرب لا هوادة فيها على الإرهاب. وهو في كل ذلك لم يكن تابعاً ولا ظلاً لأحد. وهو ما ستثبته الأيام والتاريخ للجميع. ــــــــــــــــــ زميل أول بمعهد "هدسون" ومدير "مركز هدسون للدراسات الأوروبية" ـــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"