في السابق، كان ثمة سبب واحد فقط هو الذي يدفع "توشر محمد المهدي"، وهو من إحدى قبائل إقليم دارفور العربية الكثيرة، إلى المجازفة بنفسه في منطقة "جبل مرة" التي يتحصن فيها المتمردون، ويتمثل في مواجهة مقاتلي مليشيات التمرد. أما اليوم، فإنه يأتي إلى المنطقة من أجل تلقي التعليمات. ففي السابق، كان المهدي يتزعم مجموعة تضم 150 مقاتلاً عربياً في إطار مليشيا "الجنجويد" التي تخوض حرباً بالوكالة بدلاً من الحكومة السودانية في منطقة دارفور المضطربة، تقول بعض الجهات الغربية إنها أسفرت حتى الآن عن مقتل أزيد من 200 ألف شخص، ونزوح أكثر من 2.5 مليون آخرين منذ اندلاع الاقتتال عام 2003. إلا أنه، وعلى غرار عدد متزايد من زعماء المليشيات العربية الذين باتوا محبطين من الحكومة السودانية، انضم إلى "جيش تحرير السودان" المتمرد ودان له بالولاء، وذلك في وقت يدخل فيه نزاع دارفور فصلاً جديداً من فصوله. وفي هذا الإطار، يقول المهدي خلال جلسة شاي في بلدة "جورولانغ باجي"؛ إنهم في البداية كانوا متحمسين للقتال "لأن الحكومة كانت تقول لنا إن كل هذه الأراضي ستصبح لنا، لكننا سرعان ما اكتشفنا أن كل ذلك غير صحيح". أما زعماء المتمردين، فيقولون إن العشرات من قادة "الجنجويد" ينضمون إليهم في صراعهم مع الحكومة السودانية، بعدما تبين لهم زيف ما وُعدوا به من أراضٍ وأموال وقطعان ماشية، وإن نحو 4000 عربي عززوا صفوف قواتهم في جبل مرة العام الماضي. والواقع أن هذه الاتفاقات تفند السرد البسيط المتداول حول الحرب الدائرة رحاها منذ أربع سنوات، والقائل بمواجهة بين رجال القبائل الإفريقية السود والحكومة ذات الأغلبية العربية وحلفائها العرب الرحل "الجنجويد". بيد أن الحقيقة كانت دائماً أكثر تعقيداً. ذلك أن الكثير من رجال القبائل العربية في دارفور يعانون هم أيضاً من نقص التنمية الذي دفع المتمردين إلى حمل السلاح في عام 2003. وفي نهاية العام الماضي، ظهرت في دارفور مجموعة متمردة جديدة تدعى "جيش القوات الشعبية"، ترابط في تشاد المجاورة، وتستمد قوتها من القبائل العربية المعارضة للحكومة. ونتيجة لذلك، يمكن القول إن ثمة مستنقعاً معقداً للولاءات والمصالح المتعارضة، وهو ما يؤشر إلى أن حلاً لنزاع دارفور ما يزال بعيد المنال. ففي تقرير صدر مؤخراً، قالت "منظمة الأزمات الدولية" إن "حزب المؤتمر الوطني" الحاكم في السودان لجأ إلى تكتيكات "فرّق تسد". وفي هذا السياق، ترى "سالي تشين"، وهي أحد من ساهموا في تحرير التقرير، إن أي حل لنزاع دارفور متعدد المستويات يجب أن يراعي مصالح الأطراف المختلفة، إذ تقول: "لقد كانت الكثير من القبائل العربية ترفض دائماً دعم سياسات حزب المؤتمر الوطني أو المشاركة في مليشيات الجنجويد. والحال أنه من أجل تحقيق سلام شامل في دارفور، يتعين أيضاً إشراك هذه القبائل في الجولة المقبلة من المحادثات". وإلى أن يحدث ذلك، أصبح قادة "الجنجويد" اليوم زائرين كثيري التردد على بلدات المتمردين الواقعة وسط منطقة "جبل مرة" الجبلية، والتي لا يمكن الوصول إليها سوى بواسطة الحمير. في السابق، كان المهدي يترأس وحدة من المليشيات كانت تسيطر على أحد الطرق الرئيسية وسط المرتفعات التي تفضي إلى عاصمة جنوب دارفور "نيالا"، ويقول: "كنا ننتظر إلى حين قيام الحكومة بقصف إحدى المناطق، ثم نذهب إليها"، مضيفاً: "بعد ذلك كانت مهمتنا تتمثل في النهب وإحراق كل ما نستطيع إحراقه". ويحكي المهدي كيف أن الجنود الحكوميين كانوا في السابق يوزعون على المقاتلين المال والذخيرة قبل كل هجوم. غير أنه سرعان ما انقطع المال ثم الطعام. ومن كثرة الإحباط والشائعات التي كانت تتحدث عن أن القبائل العربية الأخرى كانت تعامَل معاملة أفضل، توجه المهدي مع رجاله إلى نقطة تفتيش تابعة لـ"جيش تحرير السودان"، ولوحوا براية بيضاء. فتم استنطاقهم ومساءلتهم لعدة أيام قبل أن تقدَّم لكل واحد منهم نسخة من القرآن الكريم ويرحَّب بهم أعضاء جدد في "الجيش". خلال الأشهر الثمانية الماضية، دافع رجال المهدي عن السفوح الجنوبية لمنطقة جبل مرة، وحولوها إلى ما يشبه المنطقة العازلة ضد القوات الحكومية. واليوم، يتلقى المهدي التعليمات من الجنرال "الصادق الزين روكيرو" الذي يعد أحد كبار قادة "جيش تحرير السودان". وقد أعرب هذا الأخير عن ترحيبه بأي شخص في "جيش تحرير السودان" إذا كان مستعداً لقبول مبدأ وضع حد لتهميش دارفور، إذ يقول: "يعني ذلك أننا لا نمثل الفور -أو القبائل غير العربية- فحسب، وإنما نمثل الجميع"، مضيفاً أن قواته تضم نحو 4000 مقاتل عربي موزعين على محيط الأراضي التي تسيطر عليها قواته، حيث يوفرون الحماية للسكان المدنين الموجودين في الداخل. ويقول "روكيرو" إن الاتفاق بدأ يُحدث الفرق في حياة الأشخاص الذين يقاتِلُ من أجلهم؛ حيث بدأت أسعار السكر تنخفض بعد أن أصبحت الشاحنات التي تنقل المواد الغذائية تستطيع القيام برحلة الست ساعات من "نيالا" إلى جبل مرة. كما بات بإمكان منظمات الإغاثة الدولية إيصال الغذاء إلى السكان المنعزلين هنا بدون خوف على حياتهم. وذلك -حسب بعض المراقبين للشأن السوداني- هو السبب الحقيقي وراء التحالف الحالي. ــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في جبل مرة - السودان ــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"