يعكف القادة العسكريون والدبلوماسيون الأميركيون على استكمال خطة شاملة في إطار استراتيجية أميركية جديدة في العراق تجمع بين الأهداف العسكرية والسياسية، وتركز على ملاحقة الفاعلين العراقيين الذين يتخذون من الطائفية منهاجاً لهم وتنحيتهم من القوات الأمنية والحكومة العراقية. ومن المتوقع أن ينتهي العمل من إعداد الخطة الجديدة، التي مازالت طي الكتمان، في 31 من شهر مايو الجاري، وهي نتيجة تضافر جهود مشتركة بين قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال "ديفيد بيتراوس" والسفير الأميركي "ريان كروكر". وقد وافق العشرات من الأشخاص المنخرطين في إعداد الخطة على مناقشة بعض خطوطها العريضة، لكنهم طالبوا بعدم الكشف عن أسمائهم لأنهم غير مرخصين بالحديث مع الصحفيين بشأنها. واللافت أن الهدف العام للخطة، التي تضع لنفسها مراميَ مرحلية يتم بلوغها مع نهاية العام الحالي، أو نهاية 2008، هو تغليب العامل السياسي على العامل العسكري والتركيز على التفاوض للوصول إلى تسوية بين الفصائل المتحاربة في العراق بدءاً من المستوى الوطني ونزولاً إلى المستوى المحلي. وبقدر ما تهتم الخطة في جوهرها بعقد الصفقات السياسية اللازمة لإخماد فتيل الحرب الأهلية، بقدر ما تهتم أيضاً بالعمليات العسكرية الرامية إلى سحق حركات التمرد المتشعبة، وذلك حسب ما صرح به مسؤولون مطلعين على الخطة. وترجع الخطوط العريضة للخطة الجديدة إلى تقييم بلوره المستشار البارز للجنرال "بيتراوس" والمتخصص في مكافحة التمرد "ديفيد كيلكولن" إلى جانب عشرين من الضباط العسكريين ومسؤولين في وزارة الخارجية، فضلاً عن خبراء آخرين في بغداد يطلق عليهم اسم الفريق المشترك للتقييم الاستراتيجي. وقد وافق الجنرال "بيتراوس" في الشهر الماضي على الخطة وتم اعتمادها كاستراتيجية رسمية توكل إلى القيادات العسكرية والوكالات المدنية العاملة في العراق الاضطلاع بمهام خاصة. وتعتزم الخطة الحفاظ على مستوى القوات الأميركية مرتفعاً على امتداد السنة المقبلة، لكنها أيضاً تنوي زيادة حجم القوات العراقية البالغ قوامها 144 ألف جندي. ويعتبر الجيش العراقي إحدى المؤسسات المهمة التي يمكن الاعتماد عليها، إذ من دونها ستعم العراق الفوضى بعد انسحاب القوات الأميركية. وخلافاً للاستراتيجية الأميركية السابقة التي تعتمد على مراحل متعاقبة زمنياً متمثلة في "التطهير والسيطرة ثم البناء" تستند الخطة الحالية على ثلاثة أركان تنفذ بالتزامن. فبموجب الخطة الجديدة ينتقل تركيز العمليات العسكرية من الحرص على نقل السلطات والمهام إلى قوات الأمن العراقية -وهو الهدف الأول للخطة السابقة بقيادة القائد "جورج كيسي"- إلى توفير الحماية للشعب العراقي في المناطق المضطربة باعتباره المهمة الأساسية لخطة الزيادة في القوات الأميركية التي أقرها الرئيس بوش في شهر يناير الماضي. ويوضح هذا الجانب من خطة بوش الجديدة الجنرال "ديفيد كليكولن" المشارك في إعدادها قائلاً "إن المقاربة الجديدة التي نعتمد عليها في هذه الخطة تركز على حماية الناس على مدار اليوم... وبأن تستلم المؤسسات الحكومية غير الطائفية المهام منا". ويؤكد الجنرال "كليكولن" أنه على النقيض من ذلك ساهمت العمليات العسكرية الأميركية بين عامي 2004 و2005 على نحو غير مقصود "في قتل العراقيين الذين أيدونا. فبعد تطهيرنا لمنطقة معينة وتجاوب السكان مع البرامج الحكومية، كنا نتركهم لمصيرهم فيتعرضون للقتل". ولأن الخطة الجديدة تعترف بعدم قدرة القوات الحالية على توفير الحماية لجميع العراقيين، فهي تنص على ضرورة التركيز على المناطق الكبرى مثل بغداد. وفي الركن الثاني تركز الخطة على بناء قدرات الحكومة العراقية على العمل للتغلب على الضعف الواضح الذي يعتري الوزارات الحكومية، فضلاً عن غياب تنسيق بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية في المحافظات المختلفة. وتختلف هذه النقطة أيضاً عن استراتيجية الجنرال "كيسي" السابقة التي ركزت على سرعة نقل المسؤولية إلى الحكومة العراقية دون العمل على تأهيلها. وأخيراً تسعى الخطة الجديدة إلى تطهير القيادة العراقية من تلك المجموعة الصغيرة والنافذة من المسؤولين والقياديين العسكريين الذين تحول أجنداتهم الطائفية والخاصة دون نجاح جهود المصالحة وفرض الأمن. فالتقييم الذي انبثقت منه الخطة يعترف بأن الحكومة العراقية تعاني من اختراق الميلشيات والمسؤولين الفاسدين الذي يُعتبرون "جزءا من المشكلة"، ويناورون لإقصاء خصومهم وفتح المجال أمام حلفائهم الطائفيين بهدف تعزيز سلطتهم عند انسحاب القوات الأميركية. وفي هذا السياق صرح "توبي دودج"، وهو خبير في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن قائلاً "لكي تنجح خطة الزيادة في عدد القوات الأميركية على السفير كروكر والجنرال بتراوس أن يرصدا الوطنيين العراقيين ويعمدا على تقويتهم، وفي نفس الوقت تقليص نفوذ مجموعتين أساسيتين هما الطائفيون والفاسدون". وقد تحدث "توبي دودج" الذي شارك في إجراء التقييم باعتباره خبيراً مستقلاً، رافضاً الإفصاح عن تفاصيل الخطة. ومن جانبه أكد أحد المسؤولين العسكريين على نفس ما جاء به "دودج"، موضحاً أن "التركيز سينصبُّ على الفاعلين الطائفيين" المنخرطين في عمليات قتل طائفي وتعطيل التشريعات السياسية والإصلاحات المالية، مضيفاً "لا يمكن القضاء تماماً على الميول الطائفية، لذا يتعين ملاحقة المنتهكين وتقديم أمثلة رادعة للآخرين. المشكلة أنه من الصعب إثبات الانتهاكات الطائفية". والواقع أنه من الأمور التي تبعث على التشاؤم مدى توفر الإرادة السياسية والوسائل الضرورية لدى الحكومة العراقية لاجتثاث المسؤولين الطائفيين في ظل أجواء مشحونة بالشائعات المتضاربة والمعلومات الاستخباراتية الملتبسة. وفي الوقت الذي يبدي فيه العديد من المسؤولين المشاركين في إعداد الخطة ثقتهم في التقدم الذي تحرزه الولايات المتحدة على المستوى الأمني، إلا أنهم يتشككون في قدرة القيادة العراقية على فرض الأمن. فقد صرح أحد كبار المسؤولين الأميركيين في بغداد قائلاً: "لست واثقاً تماماً من أن الحكومة العراقية ستغير سلوكها في الوقت الذي سنرحل فيه بسبب الدورة السياسية في أميركا". وللتأكد من مدى التزام الحكومة العراقية بسياسة لا طائفية تضمنت استراتيجية الجنرال "بتراوس" عنصراً أساسياً يقضي بمشاركة القوات الأميركية مع الشرطة العراقية في بعض المراكز لمراقبة الانتهاكات الطائفية. وتسعى الخطة أيضاً إلى تعزيز سلطة رئيس الحكومة العراقية "نوري المالكي"، رغم أن بعض القادة الأميركيين يعتبرونه مرتبطاً بمصالح طائفية ضيقة. ــــــــــــــــــــــ محرر الشؤون الخارجية في "واشنطن بوست" ــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"