احتفل العالم قبل بضعة أيام، باليوم العالمي للتنوع الحيوي (International Day for Biological Diversity)، والذي يحل كل عام في الثاني والعشرين من شهر مايو. ومثلها مثل احتفالات الأعوام القليلة السابقة، اتسمت احتفالات هذا العام بدرجة من التشاؤم والقلق على المستقبل، وخصوصاً مع نشر نتائج الدراسة المعروفة بالتقييم الألفي للنظام البيئي (Millennium Ecosystem Assessment). هذا التقييم، الذي هو في الحقيقة عبارة عن دراسة استغرقت أربع سنوات بدعم من الأمم المتحدة، خلصت إلى أن التغير المناخي وظاهرة الدفء العالمي، يشكلان أكبر التهديدات المستقبلية للتنوع الحيوي. وبما أن جميع الدلالات والعلامات تؤكد تسارع التغير المناخي، يتوقع أن تشهد العقود القادمة أكبر معدل لفقدان التنوع الحيوي على كوكب الأرض. وقبل أن نبحث في العلاقة بين الدفء العالمي وبين التنوع الحيوي، يجب أن نتوقف أولاً عند مفهوم هذا التنوع، ومدى أهميته في استمرار الحياة على سطح الأرض في شكلها الحالي. أفضل مثال لتوضيح مفهوم التنوع الحيوي، هو المقارنة بين أشكال الحياة في مساحة مخصصة كمزرعة كدواجن مثلاً، ونفس المساحة في بيئة طبيعية كالغابات. ففي مزرعة الدواجن، يوجد في الغالب نوع واحد من الطيور، أو أحياناً بضعة أنواع، لا يزيد عدد أنواعها في الغالب على عدد أصابع اليد الواحدة. بينما في مساحة مماثلة من غابة أو محمية طبيعية، يمكن أن يتواجد عشرات أو مئات الأنواع من الطيور المختلفة. وهو ما يجعل مزرعة الدواجن مفتقدة للتنوع الحيوي، بينما يجعل الغابة مزدهرة به. أي أن التنوع الحيوي ببساطة، هو وجود أشكال عديدة من الحياة، بصورها المختلفة من نباتات وحيوانات وكائنات مجهرية، في محيط بيئي ما. وبما أن كل صورة من صور الحياة تلك، هي عبارة عن تركيبة وراثية فريدة، استغرق تكوينها عشرات أو مئات الملايين من السنين، فإنه يمكن أن نعرّف التنوع الحيوي بشكل أدق، على أنه مجموعة فريدة من التركيبات الوراثية الجينية، التي يظهر كل منها في شكل مختلف من أشكال الحياة الطبيعية. هذا عن مفهوم التنوع الحيوي، فماذا عن أهميته؟ هذه الأهمية يمكن ردها إلى أربعة مجالات أو قيم يوفرها اتساع نطاق التنوع الحيوي. أولى تلك القيم، هي القيمة البيئية، والتي تتلخص في حقيقة أن الكائنات الحية الموجودة في نظام بيئي ما، يضطلع كل منها بوظيفة محددة، يعتمد عليها النظام البيئي برمته في توازنه واستمراره. وتظهر القيمة الثانية، أو القيمة الاقتصادية، في شكل توفير مصادر متنوعة من النباتات والحيوانات، يخدم كل منها هدفاً بشرياً أو يحقق غرضاً إنسانياً. أما القيمة الثالثة، فهي أخلاقية فلسفية مجردة. ففي نظرة الفلاسفة البيئيين، تتمتع الكائنات الحية الأخرى بحق جوهري في البقاء والاستمرار، مثل حق الإنسان هو الآخر في البقاء والاستمرار. وهو ما يجعل انتقاص مجال التنوع الحيوي، من خلال القضاء على الكائنات الحية الأخرى، ونفيها من الوجود عبر الانقراض، تصرفاً غير أخلاقي تجاه مكونات الطبيعة الأم. وتكمن القيمة الرابعة للتنوع الحيوي، في الأهمية العلمية، المتلازمة مع توفر طائفة أوسع من النباتات والحيوانات المختلفة. فكل نوع وجنس من هذه الكائنات، يحمل في داخله أسراراً، من مركبات خاصة ومواد كيميائية فريدة، يمكنها أن تفيد العالم في الإجابة على الكثير من الأسئلة المتعلقة بالحياة وكيفية عملها، أو في اكتشاف عقاقير جديدة تساعد على علاج الكثير من الأمراض والعلل. هذه الأدوار والقيم التي يمثلها التنوع الحيوي، تتعرض لأخطار كثيرة، وإن كان أهمها حالياً هو التغير المناخي، حسب التقييم الألفي للنظام البيئي، سابق الذكر. فرغم أن جميع أشكال الحياة على الأرض، دائماً ما اضطرت للتأقلم والتكيف مع التغيرات المناخية عبر التاريخ، إلا أن تلك التغيرات لم تحدث من قبل بنفس الوتيرة المتسارعة التي تحدث بها حالياً. فالتقديرات الحالية تشير إلى أنه بنهاية هذا القرن، سترتفع درجة حرارة الكوكب بما بين 1.4 إلى 5.8 درجة مئوية. وهو ما يشكل تغيراً هائلاً في فترة زمنية قصيرة، سيعجز العديد من أشكال الحياة عن التكيف معه بالسرعة الكافية، أو حتى الهجرة إلى أماكن أخرى تتناسب مع الظروف المناخية التي تعيش فيها حالياً. وبالتبعية، ستتعرض تلك الكائنات لاضطرابات في أماكن تواجدها وتوزيعها على الكوكب، ولاختلافات في مواعيد توالدها الموسمية، وبالتالي لمعدلات أعلى من الانقراض. هذا السيناريو في رأي البعض، سيؤدي في النهاية إلى انقراض أكثر من مليون شكل فريد من أشكال الحياة. والغريب أنه في الوقت الذي تهدد فيه التغيرات المناخية مدى التنوع الحيوي، يمكن لهذا التنوع أن يخفف، أو حتى يعكس، التغيرات المناخية الناتجة عن تزايد الدفء العالمي. وهو ما يعني أن العلاقة بين التغيرات المناخية والتنوع الحيوي هي علاقة ذات تأثير متبادل، ففي الوقت الذي ستؤدي في التغيرات المناخية إلى القضاء على التنوع الحيوي، يمكن لهذا التنوع منع تلك التغيرات من الوقوع من الأساس. وهو ما يجعل من الضروري لأية محاولة بشرية لوقف التغيرات المناخية، أن تتضمن جهوداً مخصصة للإبقاء على التنوع الحيوي، وحمايته من الأخطار الأخرى التي يتعرض لها، مثل الصيد الجائر، والتجارة في الحياة البرية. وهو ربما ما يمنح التنوع الحيوي قيمة إضافية، تتلخص في مساعدته لأفراد الجنس البشري على الاستمرار في البقاء على سطح كوكب الأرض، من خلال مد يد العون لوقف الآثار البيئية المدمرة للتغيرات المناخية المتوقعة.