من باب حصار الثقافة، نلج إلى بيت ثقافتنا الذي كان حصيناً وبات أوهى من بيت العنكبوت، بيت مهدد بالانقراض والغياب. بيت هو في "القرية الصغيرة" بيت نملة كسول تنتظر رزقها وعلمها وثقافتها من الآخرين، وتستهلك من دون أن تنتج. وقد قال جبران خليل جيران منذ ما يقارب المئة عام "ويل لأمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع. الويل.. الويل أقول لكم يا بني أمي"، وهو ما تردده فيروز منذ حوالى نصف قرن، ولكن يبدو أنه "لا حياة لمن تنادي". كل ما نستهلكه اليوم هو من زراعة الغير وصناعة الغير، والأدهى أنه من ثقافة الغير. ففي ظل تبعيتنا وسلطة تقاليدنا وسلطة الظلاميين بيننا، نجد أنفسنا عاجزين في كل شيء. في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. ذلك كله لأننا عاجزون عن خلق ثقافتنا وهويتنا المتميزتين. وهناك ظواهر مرَضيّة (من المرض لا من الرضا.. بالتأكيد) تعزز رؤيتنا هذه التي قد تبدو متشائمة، لكننا نعتقد أنها رؤية غاية في الموضوعية. نحن نستهلك "بضاعة" الآخرين الثقافية، ليس فقط على صعيد ثقافة أجيالنا الصاعدة وما تمارسه من تفاهات في مواقع الشبكة العنكبوتية أو الفضائيات، وهذه في حد ذاتها مشكلة خطيرة، بل الأخطر هو ما يمارسه كتابنا ومثقفونا من سطو على منتجات ثقافات الآخرين، وعلى الثقافة الغربية خصوصاً، وإغراق وسائل الإعلام، من صحف وفضائيات، بالمفاهيم والمصطلحات الغربية التي تنمُّ على غياب الرؤية الخاصة والتعبير الخاص. حين نقرأ مقالات كتابنا ومثقفينا في الصحف، وحتى في الكتب والمجلات، أو نستمع إلى آرائهم وحواراتهم في الفضائيات، ما الذي نجده؟ في فضاء الثقافة نقرأ رطانة ونستمع إلى لغة خشبية، لغة غاب عنها المتنبي والجاحظ والمعري وشوقي وجبران، لتحضر فيها أسماء غربية نعرف كثيراً منها، ولكننا لا نعتبرها مرجعيتنا الأولى والأخيرة. لغة تغيب عنها البلاغة وفقه اللغة، ولا يحضر سوى الحداثة وما بعد الحداثة والبنيوية والتفكيك. فأين من يجمعون بين الحداثة والتفكيك وبين تراثنا العربي، فيطورون التراث ويطَعّمون مفاهيم الغرب بروح تراثنا؟ أين من يربط ماضينا بحاضرنا ومستقبلنا، ويضع أسماءنا وإنجازاتنا في سجل هذا المستقبل الثقافي والإبداعي؟ وفي السياسة، ما الذي نجده في كتابات وآراء كتابنا، سواء حول قضايانا الكبرى، أم ما يتعلق بما يحدث هنا وهناك يومياً من كوارث؟ نقرأ عبارات ومصطلحات ومفاهيم غربية تم تصنيعها لتتواءم مع الهجمة الهمجية علينا. نقرأ ما يتصل بما يسمى "عملية السلام"، هذه العملية التي تستعمل منذ عقود لتمرير المشاريع الصهيونية والأميركية في المنطقة. والكل ما يزال يستعمل هذا المصطلح من دون تدقيق أو تشريح. ونقرأ عن ديمقراطية الغرب وأميركا ونحن مشهد فيه كل ما هو مناقض للديمقراطية، ونهلل للحريات ومجتمعاتنا غارقة في الديكتاتورية، ونتحدث عن المجتمع المدني فيما تفتقد مجتمعاتنا إلى أبسط حقوق الإنسان. ثقافتنا هذه تدور في فراغ، في حلقة واسعة غير مفهومة لأننا نستخدم مفاهيم ومصطلحات لا تربطنا أي صلة بها، ولأننا نستخدم مفاهيم الآخرين، سواء كانوا من وسائل الإعلام الغربية، أم من الفئات الظلامية في مجتمعنا، وهو ما يدعو إلى البحث عن لغة ثقافية عقلانية تبلور مفاهيم ومصطلحات خاصة، ذات نكهة عربية وخليجية. نريد الثقافة التي تنتجها ظروفنا وحياتنا ومصالحنا. الثقافة التي تحترم شخصيتنا وهويتنا، وتسهم في خلق هذه الشخصية وتطويرها وجعلها فاعلة في العالم. نحتاج إلى ثقافة تبتعد عن الاستهلاك، وتسعى إلى خدمة المجتمع بكافة فئاته، خصوصاً ما يتوجه إلى فئة الشباب، هذه الفئة التي تمثل مستقبل الدولة والمجتمع، ومستقبل الأمة أيضاً، فليس طبيعياً أن نترك هذه الفئة رهناً للصراعات التي نجدها على الفضائيات أو في الإنترنت. ففي مثل هذا الحال علينا أن نتوقع جيلاً بلا هوية وبلا ملامح محددة، أي أن مستقبلنا سيكون كذلك بلا هوية ولا ملامح خاصة، سيكون مستقبلاً مشوهاً أو خليطاً من الهويات المتضاربة. فكيف نصنع مستقبلنا؟ كيف نطور هويتنا ما بين قوتين ضاريتين، قوة العولمة وما تنتجه من ثقافة تافهة واستهلاكية تستعبد الإنسان، وقوة ظلامية تنتج ثقافتها الراديكالية المؤمنة بالعنف وسيلة وحيدة للمواجهة مع العولمة؟ هذه مهمة النخب الثقافية والسياسية العربية، ولكن بالعودة إلى تراثنا من القوانين والأدبيات الفكرية والسياسية، حتى تكون لنا لغتنا ومفاهيمنا، وحتى لا نظل نكرر لغة الآخرين ونرتدي أقنعتهم وثيابهم، فنحن نمتلك مقومات الشخصية القادرة على الدخول في التفاعل مع العالم لو أردنا ذلك، فالمسألة تتعلق بالإرادة أولاً، والسؤال هو: من أين نبدأ؟ ثمة من يرى البداية في الثقافة تحديداً، لأنها تتضمن الملفات والقضايا الساخنة كلها، وهي بالفعل كذلك، وعملياً ينبغي وضع مشروعات كبرى للتنمية الثقافية الشاملة، تبدأ من الأسس الأولى، وتتوجه إلى النشء، في المدارس ودور الحضانة، وقبل ذلك في البيت أيضاً، لنربي جيلاً متعلماً ومثقفاً أيضاً، فالتعليم وحده لا يكفي، ولابد من عملية التثقيف بحيث يستمر الطفل وينشأ محباً للعلم والثقافة. لذا علينا أن نقدم له أفضل ما في ثقافتنا من موروثنا ومما نجده جيداً في ثقافات الآخرين. وأخيراً علينا أن نقدم للطفل هذه الثقافة في رداء من التسامح وتقبل الآخر، وليس في اللغة الخشبية التي يتحدث بها الظلاميون في الفضائيات وسواها، فلغتهم هذه التي لا تعرف سوى التحريم والتكفير والقتل والرجم، تعمل على التنفير. نحتاج لغة جميلة وراقية تتعامل مع عقل الطفل وروحه وعاطفته في الوقت نفسه.