بعد أن ظلّت تكاليف المعيشة المرتفعة تدفع باستمرار شريحة متنامية من الكفاءات الوافدة إلى الخارج، ما دفع أربعاً من إمارات الدولة إلى زيادة الأجور والمرتبات في دوائرها المحلية، خلال الفترة المنصرمة من هذا العام، يأتي الآن دور نزوح الشركات. لقد شهدت الأيام الماضية نزوح شركات أجنبية اختارت دولاً أخرى في المنطقة كمراكز لأعمالها بدلاً عن الإمارات، حيث أوضح مسؤولو هذه الشركات صراحة أن هذا الانتقال يأتي بسبب ضغوط تكاليف العمل والمعيشة في الدولة، بينما تشكّل سياسة رفع الأجور والمرتبات لمعالجة مشكلة التضخّم بالنسبة إلى الأفراد ضغوطاً أخرى متعدّدة الوجه بالنسبة إلى الشركات، التي تجد نفسها هي الأخرى مطالبة برفع أجور موظفيها بجانب تحمّل تبعات التضخّم الأخرى. هذه المفارقة تتطلّب وقفة متأنّية مع سياسات الدولة لمعالجة مشكلة التضخّم وزيادة الأسعار، إذ إن إعادة النظر في الرواتب من حين لآخر، وإن كانت تؤدي بصورة سريعة ومباشرة إلى تخفيف الضغوط التضخمية على شريحة كبيرة من أفراد المجتمع، ما يؤدي إلى تحقيق الاستقرار المادي والمعنوي والاجتماعي للعاملين، وبما يسهم في رفع إنتاجيتهم الاقتصادية إلى المستوى الذي يلبّي طموحات وتوجّهات الدولة التنموية في شتّى الميادين، إلا أن هذه السياسة تظلّ في النهاية نظرة ينتابها القصور في أكثر من وجه. إن سياسة تعديل الأجور والرواتب لمعالجة الضغوط التضخمية توجد تبايناً واضحاً بين قطاعات العاملين المختلفة، إذ إن هذا التعديل يقتصر على قطاعات بعينها دون الأخرى، وهي القطاعات الحكومية تحديداً، اتحادية كانت أو محلية، ولكنه حتى داخل هذه القطاعات يتم بدرجات ونسب متفاوتة، رغم أن الضغوط التضخميّة موحّدة على الجميع، ما يفرز تبايناً واضحاً وغير مبرّر في مقدرة العاملين على تحمّل هذه الضغوط. كما أن تجربة الدولة على المستويين الاتحادي والمحلي، خلال العامين الماضيين، تؤكّد أن أي زيادة في الأجور والرواتب تتبعها مباشرة موجة تضخميّة سرعان ما تلتهم هذه الزيادات وتعيد الجميع إلى المربع الأول، من دون أن تحقّق الدولة والمنتفعون أهدافهم من هذه الزيادات، الأمر الذي يطرح بإلحاح مسألة البحث عن سياسات فعّالة وعادلة أيضاً للحدّ من الضغوط التضخميّة المستمرة. وبالنظر أبعد من ذلك فإن القطاع الخاص لا يزال غير قادر على مجارات الدوائر والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والعامة في رفع أجور ومرتّبات موظفيه، ما يوجد باستمرار فجوة متنامية بين الجانبين، وهي الفجوة نفسها التي عمّقت من ازدواجية سوق العمل المحلية وأصبحت تشكّل أكبر معوّقات التوطين، حيث يشكّل المواطنون اليوم أقل من 2% من مجموع العاملين في القطاع الخاص بسبب هذه الازدواجية المتعمّقة باستمرار. وفي منعطف آخر بدأ يطفو على السطح مؤخراً، فإن المراجعة الجزئية للرواتب والأجور من دون النظر إلى معالجة الأسباب الحقيقية لارتفاع معدلات التضخّم وارتفاع تكاليف المعيشة، تشكّل عبئاً إضافياً يؤثر في أرباح الشركات في العديد من القطاعات. وقد يترتب على استمرار هذا الوضع مزيد من الانعكاسات السلبية التي تحدّ من جهود التنويع الاقتصادي، وقد تفقد مزيد من القطاعات الاقتصادية المهمّة قدرتها التنافسية على المدى المتوسط، وبما يحدّ من طموحات الدولة كمركز للأعمال والاستثمارات الأجنبية والسياحة في المنطقة، نظراً للكلفة العالية لإقامة المشاريع في السوق المحلية. كل هذه المعطيات تؤكّد أن معالجة ظاهرة التضخّم وارتفاع تكاليف المعيشة يجب ألا تقتصر على مراجعة الرواتب والأجور لشرائح محدّدة من العاملين دون سواهم، بل يجب أن تتعداه لتشمل مراجعة المتغيّرات الرئيسية المرتبطة بظاهرة التضخّم، والتحوّل لصيغ أكثر مؤسسية للخروج من "حلقة الأسعار" المفرغة هذه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية.