في مجلس الأمن، وبالتحديد في أواخر شهر مارس الماضي، وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تناقش إمكانية فرض عقوبات على إيران بسبب رفضها وقف برنامجها النووي، كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ونظيره الأرميني يجتمعان في منطقة بالقرب من حدود البلدين لتدشين خط أنابيب جديد لنقل الغاز الطبيعي الإيراني وتزويد المدن الأرمينية بالوقود. وبعد أن أوقد الرئيس الأرميني "روبرت كوشاريان" شعلة رمزية من النار وصف حفل التدشين قائلاً إنه "دليل على صداقتنا". هذه العلاقة التي يتمنى بعض أصدقاء أرمينيا الآخرين، لا سيما الولايات المتحدة ألا تكون بنفس درجة الحميمة التي عليها الآن. والواقع أنه في الوقت الذي تقترب في العلاقات بين إيران والغرب إلى مرحلة حرجة ودقيقة للغاية، تجد أرمينيا صعوبة متنامية في التوفيق بين تحالفاتها المختلفة في منطقة تنطوي على تعقيدات عديدة. وتأتي هذه الصعوبات التي تواجهها أرمينيا لتسلط الضوء على احتمالات زعزعة الاستقرار في المنطقة بسبب الأزمة الناشئة بين الغرب وإيران ليس فقط على الشرق الأوسط، بل أيضاً على منطقة جنوب القوقاز. فبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على انهيار الاتحاد السوفييتي، مازالت المنطقة تعاني من اضطرابات سياسية، حيث تشهد العلاقات بين دول المنطقة توتراً واضحاً على خلفية المشاكل العالقة والمرتبطة بمناطق مثل "ناجورو كارباخ" و"أبخازيا"، ثم "أوسيتيا الجنوبية". وقد زاد من تأجيج تلك التوترات التي تطبع العلاقات بين دول المنطقة الاهتمام المتنامي الذي باتت تحظى به على الساحة الإقليمية وموقعها في قلب المصالح المتضاربة للقوى الإقليمية والدولية. فبالنسبة لأرمينيا، البلد الصغير والمغلق على منافذ البحر، من المهم الحفاظ على علاقات ودية مع إيران، لا سيما وأن حدودها مع تركيا وأذربيجان مغلقة، فضلا عن حالة الحرب الباردة مع جارتها أذربيجان حول إقليم "ناجورو كاراباخ"، الذي مازال تابعاً لأذربيجان رغم عرقيته الأرمينية. غير أن المانح الرئيسي لأرمينيا تبقى هي الولايات المتحدة التي تشرف حالياً على تمويل المساعدات الإنسانية الموجهة للبلد. والأكثر من ذلك من المتوقع أن تحصل أرمينيا، على مدى الخمس سنوات المقبلة، على 235 مليون دولار من خلال برنامج التنمية الدولية الذي دشنه الرئيس بوش. ويؤكد وزير الخارجية الأرميني السابق "فارتان أوسكانيان" تفهم حلفاء أرمينيا لوضعها الحالي، لكنه يعترف أيضاً بوجود ضغوط كبيرة تمارس على بلده للاصطفاف إلى جهة دون أخرى. ويوضح وزير الخارجية قائلاً "إني أعتقد أننا وصلنا إلى تلك النقطة التي يتعين علينا فيها الاختيار بين إيران والولايات المتحدة". ويتخوف المراقبون من أن يؤدي أي تحرك عسكري ضد إيران إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، بحيث تمتد تداعياته إلى الدول المجاورة لإيران في جنوب القوقاز وأرمينيا وأذربيجان. وفي هذا السياق يقول "ستيوبا سافاريان"، مدير البحوث في المركز الأميركي للدراسات القومية والدولية "إذا وقع تدخل عسكري ضد إيران، لا قدر الله، فإن أرمينيا قد تجد نفسها متورطة، إلى جانب أذربيجان". وفي أسوأ الحالات، يضيف "سافاريان، يمكن للتدخل العسكري ضد إيران أن يؤجج الصراع المسلح بين أرمينيا وأذربيجان، لا سيما في ظل وجود منطقة حدودية بين الطرفين مدججة بالسلاح. وتنفق أرمينيا سنوياً ما بين 250 و300 مليون دولار على الجيش بسبب مشكلة إقليم "كاراباخ العالقة، بينما تنفق أذربيجان أضعاف ذلك الرقم لتطوير ترسانتها العسكرية. ويتخوف السياسيون أيضاً أنه حتى في حالة غياب تدخل عسكري ضد إيران، فإن التوترات الحادة التي تشهدها المنطقة بين طهران والعواصم الغربية قد تضر بالتوازنات الدبلوماسية الدقيقة بين الدول. فبرغم أن أرمينيا وأذربيجان تتمتعان معا بعلاقات جيدة مع إيران، فإن العلاقات الأرمينية الإيرانية ظلت هي الأقوى طيلة الفترة السابقة. ولم تحل العلاقات المتوترة أحياناً بين إيران وأذربيجان من تمتين الأواصر بينهما وتوظيف إيران لها لإقامة توازن في علاقتها مع روسيا التي تحظى بنفوذ واسع في المنطقة. وقد نجحت أرمينيا إلى حد الآن في انتهاج خط الوسط بين إيران والولايات المتحدة، حيث التزمت الصمت حيال البرنامج النووي الإيراني وحرصت على الشفافية في علاقاتها الاقتصادية معها. لكن الولايات المتحدة تخشى من تنامي العلاقات الاقتصادية بين أرمينيا وجارتها الإيرانية، لا سيما بعد تدشين خط الأنابيب الجديد الذي تعتبره أرمينيا استراتيجياً بالنسبة لمصالحها. فأرمينيا تفتقر إلى موارد الطاقة الخاصة بها وقد عانت من نقص هائل في الوقود مطلع التسعينيات بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت في الجارة جورجيا. وقد أوضح "سيرخ ساركسيان"، الذي تولى مؤخراً منصب وزير الخارجية في أرمينيا هذا الأمر قائلاً "كنا نعتمد على خطوط الأنابيب التي تمر من دول أخرى، ونحن مازلنا نتذكر ما حل بأرمينيا عندما تعطل أحد تلك الأنابيب، لقد وصلت درجة الحرارة إلى 30 تحت الصفر دون أن نحصل على وقود التدفئة". وبالنظر إلى الأهمية الاقتصادية التي تحتلها إيران بالنسبة لأرمينيا لا يرجح المراقبون أن يطرأ تغيير في موقفها حيال إيران، بل يعتقد الخبراء أن تحافظ أرمينا على حيادها مع جارتها القوية. لكن رغم ذلك لا تخفي أرمينيا قلقها من تحول إيران المحاذية لها إلى دولة تملك أسلحة الدمار الشامل. نيكول إيتانو ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في أرمينيا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"