الإنسان يمارس الانتحار بحماقة، وما فعلته إحدى قنوات البث المشفرة بنسف وإلغاء قناتي "الديسكفري" التاريخية من برامجها، يشبه الانتحار الثقافي، فبعد أن دفعنا لها أكثر من عشرين ألف ريال اشتراكات، في عدة سنوات، حرصاً على هذه البرامج المفيدة، وليس من أجل أفلام العهر وقلة الأدب والعنف المؤذي في أفلام هوليوود... طارت القناة من الباقة دون إنذار وإخبار. بعض القراء قد لا يعرفون شيئاً عن الموضوع، لكن ذلك فقط لإنارة القارئ بهذه القنوات المفسدة والضارة، والتي تحتال على الجيب وتضحك على الشباب بالإثارة الرخيصة فتفسدهم. لا أعرف من الذي يختار الأفلام التي لا تمثل الواقع العربي، بل تفسده ولا تنقل له موعظة، مع وجود أفلام جيدة، خاصة مما تم إنتاجه في خمسينيات وستينيات القرن الفائت. في كل مرة أجلس لأرى فيلماً، أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأندم على الوقت الذي قضيته معه، وإن كانت ثمة فائدة ففي أن لا أراه مرة أخرى. وبعض قنوات الأفلام العربية تقوم بأفضل قليلاً، حيث تحذف مقاطع قلة الحياء، والدعارة، من الأفلام التي أصبحت موضة جارية، ولا أعرف ماذا يفعل الشباب أمام هذه المناظر! إنها تجرهم إلى الضلال والشذوذ وشقاء الوعي الذي يرى مثل هذه القباحات، فلا يعرف ما يفعل بنفسه. فيلجأ إلى الانحراف والممارسات غير المشروعة خارج العلاقة الزوجية، وهؤلاء الشباب لا هم يتزوجون فيحصنون، ولا يفرغون احتقاناتهم بطرقها الطبيعية فيرتاحون! تلك القنوات إذن تؤجج هلوسة الجنس بين بعض شبابنا؛ فالمرأة عالم عبقر، وهي بشر ممن خلق، تحوم حولها الخيالات المجنحة، بأكثر من عالم الجن والسندباد البحري. وكلها انحباسات في المجاري، مثل احتقان الكبد والمرارة، واستسقاء الكلية... كلها أمراض. وهذه القناة كانت بارعة في هذه الطرق، كالشيطان الرجيم. وفي الواقع بعد أن طارت قناة "الديسكفري"، ومعها القناة التابعة لها "ديسكفري الحضارة"، فقد أصبحت الباقة قذارة وقلة حياء إلا قليلا من أثل وسدر. وفي كل مرة أقول: يا عجباً، كيف ينفقون الأموال على إنتاج مثل هذه الأفلام الرخيصة الفاسدة المفسدة من الخيال السقيم... مثل أفلام "دراكولا" مصاص الدماء، وعضاض النساء، في أنصاف الليالي والسحر... لتخرِج نسخاً ضارة مرعبة؟! حيث الإنسان يحتاج للراحة والنوم، فإنه مع أفلام الرعب لا راحة ولا نوم؟ ومن العجيب أن هناك أفلاماً ممتازة، وهي معروفة ومشهورة، مثل قصة أحدب نوتردام والبؤساء لفيكتور هوجو، أو أفلام التاريخ مثل بن هور وكوفاديس والسيد، والأوديسة، وعشرين ألف فرسخ تحت الماء، من خيال جول فيرن. وهم الآن يعيدون إخراجها مع تقنيات الفوتوشوب في الكمبيوتر، لكن في كل مرة يعيدون تمثيلها، تصبح أقل قيمة وأقبح وأشنع وأفسد، والقديم لا يعاد، وكان يمكن أن يكون إحياءً لتراث خمسينيات القرن العشرين. وقبل أيام قليلة هاتفوني من أجل ملء جيوبهم بالمال الحرام، فتمنيت أن أعرف من المسؤول الذي قام باغتيال الديسكفري العلمية، فلم أعرف سوى أن اللبناني المتحدث قال لي مدافعاً؛ "قد نخسرك لكننا نربح آلاف الشباب"! قلت له: والمعركة سوف تستمر، وأنا عندي قلم، يمكن أن أخوض به معركة الشرف ضد سموم القنوات. والمهم؛ كان الله في عون الشباب في معركة الانهيار الأخلاقي والتدمير العاطفي. والأهم من كل هذا هو العجز العربي في استحداث مؤسسة لإنتاج أفلام السينما الممتازة، على غرار ما قدمه العقاد في فيلم "الرسالة" و"عمر المختار"، وكان يفكر في صلاح الدين فعاجله الموت وشح الموارد وبخل الممولين وعجز الخيال العربي، فأولادنا يسرقون منّا تحت أعيننا ولنا الويل مما يصفون.