لم يكن شيئاً غريباً ولا ملفتاً للنظر، أن تتنافس مجموعة من الرجال البيض متوسطي العمر، على تشخيص وتقليد شخصية "جاك باوير"، الذي عرف بحماسه المفرط للتعذيب، وبكونه الشخصية المحورية في برنامج "24" التلفزيوني، الذي تبثه شبكة "فوكس نيوز". وفي الحوار الانتخابي الرئاسي "الجمهوري" الذي بُث يوم الثلاثاء الماضي، تطرق الصحفي "بريت هيوم" الذي يعمل بشبكة "فوكس نيوز"، والمعروف بإفراطه في مشاهدة برنامج "24"، إلى ما وصفه بأنه مجرد سيناريو خيالي تصوري لهجمة إرهابية محتملة علينا، ولكيفية التصدي والاستجابة لها. ولكن الذي حدث أن الصحفي المذكور، حول ذلك السيناريو بكامله، إلى "سيناريو خيالي" بحق، مما تصفه غالبية خبراء الأمن والاستخبارات بالخيالية المطلقة غير القابلة للتحقق، وهي الصفة الرئيسية التي يتسم بها برنامج "24". ولك أن تتصور أن "هيوم" قد قال لمشاهديه، إن المئات من الأميركيين قد لقوا مصرعهم نتيجة وقوع ثلاث هجمات إرهابية كبيرة عليهم، وإنه قد جرى تفادي الهجمة الرابعة نتيجة لإلقاء القبض على مدبريها ومنفذيها، وإنه تم ترحيلهم إلى سجن غوانتانامو. ولما كان من رأي خبراء الاستخبارات الأميركيين إنه لا يزال يجري التخطيط لهجوم تال. ففي هذه الحالة، كم سيذهب بك مدى الشدة والحزم في التحقيق مع المشتبه بهم في هذه العملية؟ عن هذا السؤال، أجاب المرشح "رودي جولياني" دون أدنى تردد أو مواربة بقوله: سوف أقول للمحققين إن يستخدموا كل ما وسعهم وكل ما خطر ببالهم، وليس بالضرورة أن يكون ذلك تعذيباً. فسأله المذيع "هيوم" قائلاً: أيمكن أن يكون "ركوب أمواج" مثلاً؟ فأكد "جولياني" قوله: كل ما قد يخطر ببالهم. ومن الطرف الآخر، ردد الأصداء نفسها وبدرجة أقوى، زميله المرشح "الجمهوري" الآخر، "ميت رومني"- حاكم الولاية التي يحظر يذكر اسمها في أوساط الحزب "الجمهوري" على الأقل- بقوله للمذيع: قلت إن أولئك المتهمين في طريقهم إلى سجن غوانتانامو... وإني لأبدي غبطتي وسعادتي لهذا النبأ. وهناك من يطالب بإغلاق هذا السجن، ويصفه بكونه وصمة عار وسبة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، غير أني أرفع صوتي هنا كسياسي لأقول صراحة إن علينا مضاعفته وليس إغلاقه. وأطالب في الوقت ذاته، بضرورة استخدام "تقنيات تحر متقدمة مع السجناء المشتبه بهم في مثل هذه الجرائم". وحتى لا يفوته ركب هذا الحزم الانتخابي "الجمهوري"، قال المرشح "دنكان هنتر" من ولاية كاليفورنيا: وفيما يتعلق بالحصول على المعلومات الأمنية اللازمة التي من شأنها حماية بلادنا وحياة مواطنيها من شر الخطر الإرهابي المحدق بهما، فإن الشيء الوحيد الذي أؤكد قوله هنا هو "فلنحصل على تلك المعلومات" حتى وإن تضمنت "أعلى أساليب ممارسة الضغط" على الجناة المشتبه بهم! وبهذا نصل أخيراً إلى تصريح "توم تانكريدو" المرشح "الجمهوري" من ولاية كلورادو: نحن لا نزال نتساءل حول ما إذا كانت تقنية "ركوب الأمواج" تعذيباً أم شيئاً سيئاً أم لا؟ وكنت ساعتها أبحث بين الحاضرين، عسى أن أعثر على "جاك باوير". ولكني أقول لكم على أية حال"ها..ها..ها". والملاحظ أن هذا التعليق قد قوبل بحماس وتصفيق حار من قبل جمهور لا يبدي كثير اهتمام بهذه الممارسات، بما فيها الاستمتاع برؤية أحد المحققين الأشداء، وهو يهدد بنزع عين أحد السجناء المشتبه بهم، مستخدماً في ذلك سكين الصيد العادية! وخلافاً لكل من "هنتر" و"تانكريدو" فقد عانى كل من "جولياني" و"رومني" في التعبير عن عدم تفضيلهما لأساليب التعذيب، وتأكيد ميلهما لما وصفاه بـ"أساليب التحري المتقدمة". لكن ومهما يكن، فإن تقنية "ركوب الأمواج" لا تزال تصنف بما لا يدع مجالاً للشك، بصفتها "تعذيباً". وذلك لأنها تتضمن أخذ السجين المكبل والمعصوب العينيين، وصب كميات كبيرة من الماء عليه، ووضعه رأساً على عقب، وإيهامه بأنه يغرق. وقد استخدمت هذه التقنيات تاريخياً، في محاكم التفتيش الإسبانية سابقاً، إلى جانب استخدامها كوسيلة من أقسى وسائل التعذيب التي عرفتها الأنظمة الشمولية الحديثة، على يد حركة "الخمير الحمر" التي تزعمها "بول بوت". غير أن الغريب والمثير للدهشة بحق، أن هناك من المرشحين الرئاسيين "الجمهوريين" من ظهر في حوار الثلاثاء الانتخابي المشار إليه، بمظهر توارى له "جاك باوير"– أشد المتحمسين لممارسات التعذيب- خجلاً! ــــــــــــــــــــ كاتبة ومحللة سياسية أميركية ــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"