ربما كانت خسارة أوروبا مكسباً لبقية دول العالم. فقد شارف اثنان من كبار القادة الأوروبيين على مغادرة المسرح السياسي، ولكن دون أن ينفي ذلك حقيقة سعيهما لإحداث تغيير ما في المشهد السياسي العالمي برمته. وعلى حد تصريح المستشارين، فإن كلا من الرئيس الفرنسي جاك شيراك، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، يسعيان لنهج قادة وزعماء دوليين سابقين من أمثال الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، ونظيره الروسي ميخائيل جورباتشوف، ونيلسون مانديلا، في إنشاء كل واحد من هؤلاء لتلك المنظمات العالمية التي سعت لجعل العالم مكاناً أفضل مما هو عليه. ومن ناحيته يسلط الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك جهوده على أفريقيا وقضايا تنميتها، بينما يولي توني بلير اهتماماً أكبر بمساعي الحوار المتبادل، خاصة بين أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث. وتتخذ هذه النوايا والجهود، شكل العمل التطوعي الحر الذي بدأ يتضح دوره جلياً في الدبلوماسية الدولية الرامية للتصدي لمشكلات عالم يضج بالمشكلات العابرة للحدود والقارات، الذي يبادر به رجال دولة وساسة سابقون، على قدر من الحماس والتعطش لفعل شيء ما لصالح الإنسانية. وفي عصرنا هذا، فإن الاتجاه العام يشير إلى قدرة الكثيرين من الساسة على بلوغ قمة الهرم السياسي في وقت مبكر من أعمارهم، وبالتالي البقاء على قيد الحياة لمدة أطول، مما يتيح أمامهم فرصة كبيرة للنشاط والفعل، بعد مغادرتهم لمناصبهم السياسية التي شغلوها. وتنطبق هذه الصفة بالذات على توني بلير، الذي يبلغ من العمر الآن 54 عاماً، وهو نفس العمر الذي غادر فيه الرئيس الأسبق بيل كلينتون البيت الأبيض. تعليقاً على هذا، قال "دنيس ماكشاني"، عضو البرلمان والوزير السابق في حكومة بلير:"أملي أن يتمكن بلير من فعل شيء إيجابي لصالح بلاده والبشرية جمعاء، خلال العشرين عاماً المقبلة، التي يرجح له أن يحياها وأن ينعم بصحة جيدة فيها، خاصة وأن اسم بلير قادر على فتح الكثير من النوافذ والأبواب المغلقة أمام العمل والفعل، أكثر مما يستطيعه اسم أي رئيس وزراء بريطاني سابق له خلال عدة عقود خلت". وما أكثر اليوم ساحات العمل العام هذه. ولنا أن نأخذ بجملة المشكلات والتعقيدات الناجمة عن العولمة وحدها. فهي من الضخامة–كما يحلو لكلينتون القول دائماً- بحيث تستعصي على الحكومات وحدها. وتشمل هذه المشكلات، ضمن ما تشمل: التغير المناخي، وباء الإيدز وفيروس HIV والفقر وغيرها. بل تصعب متابعة هذه القضايا والمشكلات على الأمم المتحدة نفسها، في بعض الأحيان. أما "جيوف بيجمان" خبير شؤون الحكم الدولي بكلية "بنينجتون" في فيرمونت، فإن من رأيه أن لدى هؤلاء القادة الدوليين المتقاعدين، مستودعاً من المعرفة والخبرات، بحكم كثرة وطبيعة المشكلات التي تعاملوا معها في الساحة الدولية. كما أنهم يتميزون بسعة شبكة الاتصالات والعلاقات المحيطة بهم، سواء كانت هذه الشبكة داخل بلدانهم أم خارجها. وفوق ذلك كله فهم يتسمون بقدر كبير من الدينامية والحيوية، بالنظر إلى تقلدهم مناصب قيادية رفيعة في شبابهم، وبحكم امتلائهم بذات الحيوية والحماس الدافق للعمل، إثر مغادرتهم لتلك المناصب. وحتى هذه اللحظة، فإنه لم يتم بعد تأكيد الخطط التي سوف يعمل عليها بلير، لكونه لن يغادر منصبه إلا بحلول السابع والعشرين من شهر يونيو المقبل. وجاء في قول السيد "ماكشاني"، إنه وعلى رغم الضربات الموجعة التي تلقاها بلير بسبب مغامرته في حرب العراق، فإنه لا يزال في وسعه لعب دور قيادي مهم، في الجهود الرامية إلى تحقيق قدر أكبر من التفاهم بين أتباع الديانات التوحيدية الثلاث. ذلك أنه عرف عنه كونه صديقاً لليهود البريطانيين، إضافة إلى اصطحابه لكل من المصحف الشريف والكتاب المقدس باستمرار. وعلى رغم هذا، فإنه لم يسمح للدين مطلقاً أن يقف عقبة أمام التنمية الاجتماعية التي ظلت هدفاً دائماً له. ومن رأي "ماكشاني" أيضاً، أنه لا تزال أمام بلير كوة يستطيع النفاذ منها وقيادة الدعوة العالمية إلى إمكان تحقيق تفاهم أفضل وأكثر تسامحاً بين أتباع الديانات السماوية الثلاث، إلى جانب تحقيق تجاور أكثر سلمية بين الاعتقاد الديني وسيادة القانون وخير المجتمع ورفاهيته وتقدمه، دون الخلط بين هذه العناصر مجتمعة. وفي الطرف الآخر، يقول مستشارو الرئيس الفرنسي السابق شيراك، إن ثقل وزنه العالمي والإقليمي، يعد أكثر من كاف لتأهيليه لأداء دور قيادي في أكثر القضايا العالمية استعصاءً مثل قضية التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في القارة الأفريقية. وعلى حد قول "مايكل كامديسوس"، مدير "مؤسسة شيراك" فإن في وسع "ماكينة" قوية مثل شيراك، الدفع بالأشياء للأمام. ومضى السيد كامديسوس إلى القول أيضاً ضمن التصريحات التي أدلي بها لصحيفة "لوموند" الفرنسية: لكن من الأهمية بمكان أن يتم تبادل الأفكار وتداولها، وأن يتخذ الفعل مساره التصاعدي، بدفع قادة يتسمون بقدر كبير من الخبرة والمسؤولية، ثم إنهم لم يعودوا أسرى القيود والبروتوكولات الدبلوماسية التي كانت تكبلهم أثناء توليهم لمناصبهم السياسية الرفيعة سابقاً. ومن بين جملة الرؤساء والقادة السياسيين السابقين، ربما كان الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، خير مثال يحتذى في هذا النوع من الدبلوماسية الدولية الطوعية، خاصة بسبب ما عرف عنه من انخراطه لعدة عقود في هذه الجهود، بما فيها الوساطة السلمية، ومراقبة العمليات الانتخابية ومسار الإصلاح السياسي، إلى جانب إسهام مؤسسته الملحوظ في الدفع بحقوق الإنسان وتحسين المستوطنات البيئية وغيرها من القضايا، التي تهم البشرية قاطبة. ومن بين هؤلاء القادة أيضاً، أوسكار أرياس، رئيس كوستاريكا الأسبق، الذي أسس "مؤسسة أرياس للسلام والتقدم الإنساني" في بلاده، وكذلك فرناندو هنريك كاردوسو، الذي أسس كلاً من "نادي مدريد" ومعهداً حمل اسمه كرئيس سابق للبرازيل. تضاف إلى هذه الجهود والأدوار "مؤسسة كلينتون" التي تحمل اسم الرئيس الأميركي الأسبق المعروف. ــــــــــــــــــــــــ مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في لندن ــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"