كانت شهادة "جيمس كومي" أمام مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء الماضي تاريخية بكل المقاييس، فقد حملت في طياتها، حسبما أشار إلى ذلك السيناتور "أرلين سبيكتر"، عنصر تشويق كما لو أن الأمر يتعلق بأحد أفلام هوليوود. ويبدو المشهد كالتالي: يبعث الرئيس برجاله للبحث عن توقيع رجل في حالة صحية حرجة ليكتشف أنه دخل المستشفى، ويرفض التوقيع على طلبه ليواجه مسؤولا آخر، يريد تكريس القانون وتحجيم سلطات الرئيس. لكن هناك العديد من المشاكل التي تقف وراء هذا المشهد، أولاً ينطوي تشبيه شهادة "جيمس كومي" مع فضيحة "ووتر جيت" على مغالطة كبيرة. فقد كانت فضيحة نيكسون جريمة حقيقية بما شملته من عملية اقتحام مبان خاصة أعقبتها محاولة ساذجة للتغطية على الحادث، اندرجت هي الأخرى في إطار الجريمة، كما أن الدافع الأولى الذي قضى على نيكسون كان الصراع السياسي في واشنطن. غير أن قصة "كومي" تفتقد إلى عنصر الجريمة، فضلا عن ابتعادها عن الصراع السياسي المحتدم. ورسميا بذل "كومي" كل جهده لعدم الكشف عن وجود برنامج سري للاستخبارات يرمي إلى جمع معلومات عسكرية ومنع وصول الإرهاب إلى الأراضي الأميركية. وبالطبع فإن الجدل القانوني والخلاف الذي اندلع بين مكتب الاستشارات القانونية التابع للحكومة والبيت الأبيض حول الأساس القانوني لمثل هذا البرنامج السري، لا يرقيان البتة إلى عمل إجرامي كالسرقة، أو استغلال الحادثة لأغراض سياسية ما دام المكتب ينتمي إلى السلطة التنفيذية ذاتها التي يرأسها البيت الأبيض. والخلاف الذي كُشف عنه بين الطرفين لا يعدو كونه اختلافا في تفسير الصلاحيات التي يتمتع بها الرئيس في الولايات المتحدة، والسلطة التي يمكنه ممارستها لتفادي تكرار هجمات 11 سبتمبر أخرى. واللافت أنه في الوقت الذي كان فيه البرنامج الاستخباراتي جارياً على قدم وساق داخل الولايات المتحدة، تعرضت حليفتنا إسبانبا لهجمات مروعة، وهو ما يعطي بعض الزخم للمدافعين عن البرنامج الرامي إلى محاربة الإرهاب. وحتى لو أجمعت طائفة المدعين العامين في مكتب الاستشارات القانونية الحكومي على أن الرئيس الأميركي يفتقد للسلطة القانونية التي تخوله استحداث برنامج لجمع المعلومات العسكرية، وهو الأمر الذي درج عليه جميع الرؤساء الذين اضطروا لخوض الحروب، فإن ذلك لن يكفي لاعتبار الرئيس مخلاً بالقانون. هذا الاتهام هو بالضبط ما تجنب "كومي" السقوط فيه أثناء إدلائه بشهادته رغم الضغوط التي مارسها عليه أعضاء اللجنة في الكونجرس الأميركي. وقد أقر "كومي" أنه عندما طُلب منه التوقيع على طلب الرئيس لاستمرار البرنامج باعتباره أحد العاملين في مكتب الاستشارات القانونية لم تكن لديه أدنى فكرة ما إذا كان ذلك له أساس في القانون، أو لا. كما أن المكتب لم يكن من صلاحيته البت في مسألة ما إذا كان الرئيس يسعى إلى تجاوز صلاحيته وخلق خلل في التوازن المطلوب بين صيانة الحقوق المدنية من جهة وضمان الأمن القومي من جهة أخرى. فمكتب الاستشارات القانونية، يختلف في وظائفه عن المحكمة العليا الأميركية، وبالتالي لا يمكنه منع قرار الرئيس أو رفضه. ويقتصر دور المكتب المذكور، الذي يعتبر جزءا من السلطة التنفيذية، على حل الخلافات القانونية الناشئة داخل الوكالات الحكومية، فضلا عن تقديم النصح والمشورة القانونية للمدعي العام والرئيس الأميركي. ولا يجوز للوكالات الحكومية استخدام بعضها بعضا لنقض قرارات الرئيس لأن هذ الوكالات في النهاية تعمل جميعاً لصالحه. ولكي ترفع قضية خلافية ما إلى المحكمة العليا يتعين على الطرفين المتنازعين أن يكونا فعلاً خارج السلطة التنفيذية التي ينتمي إليها مكتب الاستشارات القانونية. أما في حال نشوء خلافات بين الوكالات الحكومية المتنوعة، فإن الرئيس يقوم بالتدخل لحسم الموقف دون الحاجة إلى التقاضي أمام المحكمة العليا. وهنا بالضبط تكمن نقطة ضعف رواية "كومي" الذي يحق له طرح تأويله القانوني الخاص للقضايا الطارئة داخل الإدارة الأميركية، لكنه لا يمكنه تجاوز قرارات الرئيس الذي هو من أوكل للمكتب الاضطلاع بتلك المهمة، وغيره من الوكالات الحكومية. هذا ويخضع مكتب الاستشارات القانونية لأحكام الدستور ويمكن إلغاؤه، كما يمكن التخلص من برنامج جمع المعومات الذي استحدثه الرئيس نفسه. وتكفي نظرة عاجلة على قانون الاستخبارات الخارجية، كي نعرف أن الكونجرس هو السلطة الوحيدة التي لديها الحق في منح تراخيص للتجسس الداخلي. ومع ذلك تفتح شهادة "كومي" أمام مجلس الشيوخ الباب واسعاً لمناقشة ما إذا كانت سلطة الرئيس، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة حسب المادة الثانية في الدستور، تتجاوز القانون الذي يخول للكونجرس الترخيص لعمليات التجسس الداخلي الذي سن في أوقات السلم ويسمح في حالات استثنائية تجاوز ترخيص الكونجرس. والواقع أن قانون الاستخبارات الخارجية يغري بمعارضة بعض سلطات الرئيس لما يخوله من صلاحيات واسعة للكونجرس في هذا المجال، لذا قرر "كومي" الذي يعمل كمدع عام بالوكالة أن يطلب مشورة مكتب الاستشارات القانونية بالنظر إلى الخبرة المتوفرة لديه في المجال القانوني. وعندما أيد مستشار الرئيس القانوني "ألبيرتو كونزاليس" قرار الرئيس بالمضي قدما في برنامج جمع المعلومات الاستخباراتية اعتقد "كومي" أن رفضه التوقيع على طلب الرئيس سيلجم الرئيس ويمنعه من المحاولة، متناسيا أن سلطته الحقيقية لا ترقى إلى مستوى رفض طلب الرئيس. ــــــــــــــــــــ أستاذ القانون الدستوري بجامعة "بيبردين" الأميركية ــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"