عندما مضت إدارة الرئيس بوش بالولايات المتحدة إلى الحرب في العراق، كان الدافع الأول هو تحييد أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين، فقط ليتبين لاحقاً أنه لا وجود لها أصلاً. لكن الطموح الآخر الذي راود الرئيس بوش كان ينصب حول نشر الديمقراطية في ربوع الشرق الأوسط، وهو المطلب الذي بدا وكأن الأحداث قد تجاوزته خلال العقود الأربعة الأخيرة عبر التركيز على المسيرة العالمية نحو الحرية. وهكذا كان يفترض بالعراق أن يتحول إلى منارة ديمقراطية يحتذى بها في العالم العربي. وقد عبر عن ذلك الرئيس بوش في خطاب التنصيب لولايته الثانية عندما أعلن: "هناك قوة واحدة فقط في التاريخ قادرة على كسر حلقة الكراهية والغضب... وهي قوة الحرية الإنسانية". وقد تعهد في خطابه بأن تدعم الولايات المتحدة "نمو الحركات والمؤسسات الديمقراطية في كل دولة وثقافة بهدف إنهاء الاستبداد في العالم". وقد انضم إلى جورج بوش في حملته الداعية إلى إرساء قواعد الديمقراطية في العالم العربي رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي صرح أمام مواطنيه المتشككين في هذه الحملة "إننا نحارب من أجل الحقوق الثابتة للبشرية... أن نكون أحراراً... إنها معركة جديرة بالقتال". ورغم الاختلاف السياسي بين بوش المحافظ ذي الطبيعة المغامرة، وبين بلير العمالي الأقل جرأة، إلا أنهما كانا يحملان القناعة نفسها بأنه يتعين التصدي للاستبداد، وبأن الحرية حق طبيعي لجميع الرجال والنساء. واليوم بعدما أعلن بلير مغادرته لمنصبه في 27 من شهر يونيو المقبل، وبعد تراجع شعبية بوش لدى الرأي العام الأميركي، ماذا تبقى من الزخم الذي أحاط بإحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط خلال هذه اللحظة التاريخية؟ يرى منتقدو بوش أن العراق تحول إلى بؤرة من اليأس، كما أن الحملة الرامية إلى إرساء قواعد الديمقراطية في العالم العربي أصبحت ميؤوساً منها، ذلك أن هناك شيئاً ما في العقل العربي، كما يقولون، يجعل من إحلال الديمقراطية أمراً بعيد المنال. لكن في المقابل يجادل مؤيدو الرئيس بوش بأنه في الوقت الذي تعرف فيه العملية السياسية في العراق تباطؤاً لا يتفق مع التوقعات الأميركية، فإنه نجح في تنظيم انتخابات شارك فيها الملايين من العراقيين، رغم تهديدات الإرهابيين، كما استطاع صياغة دستور وتشكيل حكومة. والواقع أن حقيقة الصورة في العراق تكمن في مكان ما بين هذين الرأيين. وعلينا أن نعترف بأنه من غير المرجح أن تنبثق ديمقراطية على الطريقة الأميركية في العالمين العربي والإسلامي، لكن يمكننا مشاهدة، حيث توجد محاولات للإصلاح، انبثاق هياكل تمثيلية تتمتع بقدر من الحرية لا يعتمد بالضرورة على النموذج الموجود في الولايات المتحدة، أو في الغرب. والأكثر ترجيحاً في هذا السياق أن يتم إدراج العادات والتقاليد المحلية في الأنساق التمثيلية الجديدة، أو ستظهر في حالة العالم الإسلامي نظم للحكم تدرج المعتقدات الدينية ضمن تلك الأنساق كما شاهدنا في أفغانستان والعراق. وبرغم الدعم والمساعدة اللذين يمكن أن يقدمهما الأجانب لتثبيت الديمقراطية، إلا أنه لابد للسكان المحليين من أخذ زمام المبادرة والعمل على تكريس قيم الحرية. وقد أدرك بوش صعوبة فرض النموذج الديمقراطي الغربي في الشرق الأوسط في خطاب التنصيب عندما قال "لن تفرض أميركا أسلوبها الخاص في الحكم على من لا يرغبون في ذلك. إن هدفنا هو مساعدة الآخرين على التعبير بأصواتهم، وبلوغ الحرية بطريقتهم الخاصة". ويتعين على الأجانب المهتمين بنشر قيم الحرية في العالمين العربي والإسلامي التحلي بالصبر بسبب الصعوبات الكثيرة التي يلاقيها بعض دعاة الإصلاح من المسلمين. فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى تنظيم انتخابات، بل هي في حاجة أيضاً إلى هياكل تدعم الديمقراطية وتعززها، ذلك أنه بالموازاة مع الانتخابات، وربما قبلها، لابد من ضمان حرية الصحافة، واستقلالية القضاء، فضلاً عن حماية الأقليات والنساء. وبينما تشهد الدول العربية تعثراً واضحاً في مجال إقرار الديمقراطية هناك دول إسلامية غير عربية مثل تركيا وإندونيسيا وباكستان تسعى بشتى السبل لإيجاد صيغة من التعايش بين الحرية والدين في مجتمعاتها. فقد تمتعت تركيا بحكم ديمقراطي علماني تقف وراءه المؤسسة العسكرية، لكن الصراع على منصب الرئاسة الذي تشهده مؤخراً يثير مخاوف لدى البعض من التأثير الإسلامي على الحكومة، ومازال الأفق السياسي يلفه الغموض. ومن جانبها تبنت إندونيسيا إسلاماً معتدلاً بعيداً عن التطرف والغلو؛ ورغم الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها في الآونة الأخيرة، إلا أن تهديدها للحكومة المنتخبة ديمقراطياً ظل ضعيفاً. وتتمتع الحكومة الإندونيسية بتأييد جنرالات الجيش الذين تربطهم بدورهم علاقات ودية مع نظرائهم الأميركيين. أما باكستان فقد شهدت صراعاً مستمراً بين الديمقراطية والحكم العسكري، حيث تحولت إلى مرتع خصب وملاذ آمن للحركات الدينية المتطرفة التي لم يردعها تحالف باكستان مع أميركا في حربها على الإرهاب. فهل يستطيع الإسلام أن يتعايش مع الديمقراطية؟ الجواب: نعم، لكن مع بعض التعديلات. وربما يجدر بهؤلاء منا الذين يتوقون إلى التغيير في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي أن يقللوا من الحديث عن الديمقراطية، ويركزوا بدلاً من ذلك على الحرية لما تحظى به من قبول عالمي. ـــــــــــــــــــــ مساعد وزير الخارجية السابق في إدارة الرئيس ريجان ـــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"