لم يعد أهل دارفور أدرى بشعابها! فكل القوافل باتت تسلك مسالك شتى، إلا أن تنعقد عند مصالح أهل دارفور! وقد بات التحليل عصيباً على البحث، عندما نحاول أن نمسك بمستوياته المختلفة، على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، حتى أصحاب المساعدات الإنسانية في الموقف، باتوا أحد مصادر الصعوبة في تقديري. والعارفون بأزمة دارفور، باتوا يعتقدون الآن أنه من دون حل شامل ودستوري للموقف في السودان، فلن تساعد استعادة مفردات "أبوجا"، ولا قرارات مجلس الأمن المتشددة، في حل الأزمة، ومن ثم تبقى الملايين عارية في صحراء "بلاد السودان" الواسعة. ولنبدأ بأبناء دارفور، ويمثلهم الآن أكثر من ستة أطراف ويُقال إنهم تسعة! بين حركات أساسية منقسمة، أو حركات مصطنعة، وبعض هؤلاء في ليبيا، وآخرون في تشاد، وطرف يلجأ للسعودية مع بعض الأحزاب التقليدية، ورابع يغازل الحكومة ليلتحق ببعض المكاسب، أو يتجنب فرق التصفية فيما يسمى "الجنجويد" أو أشباههم من بقايا الهاربين من معسكرات ليبيا وتشاد على السواء، والبعض في أسمرا... أما كتلة أهل دارفور الحقيقيين، ففي المعسكرات يعيشون أكثر أماناً في ظل المساعدات الإنسانية ومراقبة الأمم المتحدة، ولا يتأملون أن تكون "حكومة الوحدة الوطنية" في الخرطوم ممثلة لرغبتهم في التوحد أو تكون أكثر شفقة بهم، ولذلك فحين تلوح الأمم المتحدة بضرورة وجود القوات الدولية، فإن ذلك لا يزعج أهل دارفور حتى ولو كان بدفعٍ من الولايات المتحدة، خاصة وقد باتت قوى سياسية كبيرة -من المعارضة- لا ترى في ذلك "عوجاً" فيما يتطلبه الموقف من حل سريع إلى أن تتحقق خططهم مع الحكم -في الوحدة الوطنية! إذن فعلى المستوى المحلي أيضاً، باتت مساحة القبول بـ"التدخل الأجنبي" مساحة قابلة للتفاوض إزاء موقف الحكومة التي لا تمثل بعد -في رأي أغلبية المعارضة- حكومة وحدة وطنية. فالحكومة لم تطبق قرارات القاهرة مع التجمع الوطني منذ أكثر من عام لأسباب اندهش لها مؤخراً السيد محمد عثمان الميرغني نفسه، أقرب أطراف المعارضة إلى الحكومة، فما بالك بأطراف تبلور قوتها الداخلية حالياً مثل "حزب الأمة"، و"الحزب الشيوعي". كما أن أهل الجنوب وقادة "الحركة الشعبية" باتوا أكثر قلقاً من صورة الساحة الوطنية التي يُفترض أن يؤهلوا أنفسهم لدخولها في وقت لم يعد بعيداً، بما أصبح يدفع الكثيرين إلى التشاؤم بشأن "الوحدة الجذابة" التي لوحت بها اتفاقات "نيفاشا". ومعنى ذلك في النهاية أن فساد الموقف بالنسبة لدارفور ينعكس تلقائياً على الجنوب، وهو ما يتهدد السودان كله بضياع السيادة والثروة التي نتذرع بها جميعاً في الدفاع ضد "التدخل الأجنبي"! وعلى المستوى الإقليمي، تبدو الصورة أكثر بؤساً، فليبيا تتصور أنها تمسك وحدها بزمام التحرك في جنوبها الصحراوي، وأبدت "ضجرها" من التدخل الصحراوي البعيد! وما لم تراضها مصر بطلب انعقاد قوى الوحدة الدارفورية في القاهرة كحد أدنى أو في طرابلس، فسيعقد تحركها الموقف كله أمام "ناس دارفور" جميعاً، ولا ندري بالضبط أين تقف ليبيا بين الحلول الأميركية والفرنسية في المنطقة، إزاء رغبة "ساركوزي" في بناء سياسات حاسمة لفرنسا، ورغبة شركة "شيفرون" الأميركية للبترول لحسم الموقف من مصالحها أيضاً، وهل لذلك صلة بالاستثمارات الأميركية في ليبيا أم باكتفاء "ساركوزي" بأخذ ضمانات للنظام الموالي في انجامينا؟ الموقف الدولي يدور حول رغبة الأميركيين الملحة الآن في "إطفاء الحرائق" أمامهم، هنا كما في العراق والصومال. ومجرد إطفاء الحريق يبدو "سياسة اعتدال" مرة أو "خطاب جديد" مرة أخرى، لكن لا نتصور الرئيس بوش مراجعاً لسياسة الفوضى البناءة في لحظات حرجة تسبق عام انتخابات الرئاسة الأميركية. فضلاً عن القلق الشديد من "الحضور الصيني الخطر"، الذي قفز فجأة بحديث عن الصين والروس بعد حديث الإبادة واغتصاب النساء في دارفور. ولا أظن أهل دارفور المساكين بعارفين بأسرار الخطر الصيني، ولكنهم يعرفون أن الحكم في الخرطوم، هو الذي يلعب آخر أدواره في فضاء بين الخطر الصيني، وحضور أجهزة المخابرات الأميركية في الخرطوم، والتي قد تفكر في علاقة السودان بالصومال وغيره. بعض أهل دارفور باتوا يتشككون أيضاً فيما تطرحه دوائر الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي مؤخراً من حلول توفيقية، حول استعادة اتفاق "أبوجا" بحضور "كل الأطراف"، رغم تهديد الحكومة السودانية السابق بعدم تغيير "حرف واحد" في اتفاق أبوجا الأول، ويتصورون أن قوات جديدة من مصر أو بعض البلاد العربية والإسلامية، ستكون أقرب إلى قوات الشرطة وليست إلى تحقيق السلام الذي يعيدهم إلى أراضيهم آمنين، ما دام هؤلاء سيأتون في إطار سياسات إطفاء الحريق وليس لـ"بناء السلام" الدائم. والحكومة المصرية والجامعة العربية في مأزق لا تحسدان عليه، فثمة عجز في الضغط على الرئاسة السودانية لتحقيق "وفاق حقيقي"، ما دامت القوى المتصارعة داخل السلطة السودانية ليست في حوار مع مصر أو ليبيا المؤثرين الأقوى في الموقف الخارجي الآن. ولا يعرف أهل دارفور، هل يتجهون للعمل مع قوى الأمن البحتة أم الجيش أم الحزب أم الأحزاب السياسية ذات خطة المصالحة الأخيرة والمُعوقة حتى الآن؟ وها هو أحد ممثليهم "ميناوي" في القصر "الجمهوري" يكاد ينضم إلى المعارضة ضد رفض الحكم المركزي للقوات الدولية، فضلاً عن قلق جناحه من دخول أطراف جديدة على اتفاق "أبوجا". وفي هذا الخضم لا يعرف أهل دارفور من هو "صليحهم" ومن هو عدوهم، وفق تعبير أحد الخبراء السودانيين على موقف الحكم نفسه. إننا حين نتحدث عن "قوات دولية" لتحقيق الأمان في السودان -لو تنازلنا عن صفتها "كقوات تدخل أجنبي"– فلا يمكن أن يكون ذلك ذا فاعلية بأي درجة ما لم يتحقق الوفاق الداخلي الشامل في السودان، لأن القوات الدولية التي توجد بعشرات الآلاف الآن في الجنوب وفي جبال النوبة، ولا يقلق منها أحد؛ إنما تحقق ذلك في جو الوفاق وليس كقوة شرطة كتلك المرشحة لتأتي إلى دارفور، إذ تأتي الأخيرة لتفصل بين أية قوات، أو تقبض على أي متهمين، أو تسحب السلاح من فصيل ما، ما دمنا نعترف بوجود فعلي لـ"كل الأطراف المتصارعة" وليس المتوافقة. الواجب الوحيد الآن أن ندفع جميعاً إلى ضغط موحد على حكومة الخرطوم لتُنقي جبهتها الداخلية، وتتحالف بإخلاص مع كل القوى الوطنية الديمقراطية من أجل سودان جديد يطمئن له أهل دارفور وأهل الجنوب وكافة المتصارعين دستورياً واجتماعياً. ومن دون أن تقوم حكومة الرئيس البشير بـ"التقاط هذه اللحظة"، فإنها تعرض السودان للكثير من المخاطر التي لا تجدي في مواجهتها "حفنة دولارات" تنهب منذ وصولها الأول. وعلى المجتمع المدني والديمقراطي العربي أن يقف موقفاً متميزاً حول مسؤولية الحكم في السودان، لالتقاط اللحظة المناسبة بديلاً لمنهجية اللعب على الأطراف المرتبكة. وهناك نداءات عديدة على المستوى العربي الآن، لربط رفض التدخل في الإصلاح الداخلي الحقيقي لصيغة الحكم بالسودان، حفاظاً على سيادة كل الشعب السوداني، وإنقاذاً لأهل دارفور من طول الانتظار.